جنبلاط يهاجم «الستين»: هذا اقتراحي لعون وفرنجية

عماد مرمل

إذا كان إجراء الانتخابات النيابية بعد قرابة عام أصبح محسوما من حيث المبدأ، بعدما أسقط الاختبار البلدي كل ذرائع التمديد، وأثبت جهوزية اللبنانيين لملاقاة الاستحقاقات الديموقراطية، إلا ان الشياطين الكامنة في تفاصيل النقاش حول قانون الانتخاب تهدد مرة أخرى بإضاعة فرصة تجديد الحياة السياسية من خلال ممر إلزامي هو النظام النسبي، الذي من شأنه ان يرفع علامة التمثيل الصحيح الى ما «فوق المعدل» الوطني.

وليس مفهوما كيف ان بعض القوى اللبنانية لا تزال تعاند في رفض اعتماد القدر الوافي من النسبية، اقله على مستوى نصف المقاعد في المجلس النيابي، متجاهلة «ذبذبات» صناديق الانتخابات البلدية، وغافلة عن انها تجازف بمصالح النظام السياسي الذي يحميها، في حين انها قد تكون امام الفرصة الاخيرة لافتداء بقاء هذا النظام بتنازل ضروري عن بعض مكاسبها لحساب نسبية حقيقية من شأنها ان تفسح المجال امام مشاركة أوسع في السلطة، ما يشكل صمام أمان ليس فقط لكيان الدولة وتوازناته الدقيقة، وإنما حتى للطبقة السياسية التي قد تخسر بعضا من نفوذها المنتفخ، لكنها بالتأكيد ستربح وقتا إضافيا على مقاعد الحكم.

صحيح ان جميع الأطراف السياسية تجاهر علنا برفض «قانون الستين» وتتنافس على رجمه وشتمه، لكن الخشية التي تسود الكثيرين هي من ان يكون هدف هذا الدخان الكثيف التغطية على نية مضمرة لدى البعض بفرض القانون المشؤوم، كأمر واقع، في اللحظة الاخيرة، بعد تصويره بمثابة «هبوط إضطراري»، وصولا الى اعتبار مساوئه أفضل من الأسوأ المتمثل في التمديد مجددا للمجلس النيابي، علما ان إحياء «الستين»، إذا حصل، لا يعني سوى التمديد مجددا، ليس فقط لتركيبة المجلس الحالي، وإنما لمجمل المأزق الوطني، تحت غطاء انتخابات شكلية لن تعدو كونها مساحيق تجميل للتمويه على «تجاعيد» هذا القانون.

رسائل جنبلاط

وعلى جري عادته في المكاشفة الصريحة، يقول رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» النائب وليد جنبلاط ان حصيلة الانتخابات البلدية انطوت على دلالات عدة أهمها، ان هناك موجة اعتراض شعبي على الواقع تكاد تلامس حد الثورة، لافتا الانتباه الى ان الاحزاب تلقت رسائل واضحة عبر صناديق الاقتراع، يجب ان تقرأها جيدا، وتستخرج منها الدروس والعبر.

ويتوقف جنبلاط في هذا الاطار عند أرقام الانتخابات التي بيّنت، برأيه، تراجع وهج «حزب الله» في بعض البقاع، و «الحزب التقدمي الاشتراكي» في منطقة الغرب، و «تيار المستقبل» في طرابلس وبيروت، والاحزاب المسيحية في مناطقها، مضيفا: نعم.. لقد انتصرت علينا العصبيات العائلية في بيصور وكفرمتى..

ويلفت الانتباه الى ان المجتمع المدني عبّر عن حيوية وحضور في أكثر من مكان، وهو حراك يستحق الاشادة والتنويه، داعيا الى درس هذه الظاهرة ومقاربتها من زاوية علم الاجتماع السياسي، لما تختزنه من مؤشرات سياسية، لا يجوز اغفالها.

ويحذر جنبلاط من ان التمادي في تأجيل الاستحقاقات الدستورية، من رئاسة الجمهورية الى الانتخابات النيابية، يؤدي الى تراكمات تصاعدية من شأنها ان تهدد بمخاطر كبرى، ربما تكون كامنة حاليا، لكنها قد تباغتنا فجأة. ويشير رئيس «التقدمي» الى ان هذا الوضع المهترئ، سياسيا ومؤسساتيا، يترافق مع عقوبات مالية اميركية منفلشة على شريحة من اللبنانيين، وانخفاض تحويلات المغتربين الى الداخل بفعل الواقع المستجد في الخليج، وزيادة في الدين العام وخدمته، الامر الذي يعني ان الأفق سيكون مسدودا وقاتما ما لم نبادر الى كسر هذه الدوامة التي ندور فيها. وعلى هذه القاعدة، يؤكد جنبلاط ضرورة إجراء الانتخابات النيابية وعدم البحث في أي تمديد جديد، لكنه ينبه في الوقت ذاته الى محاذير حصولها على اساس «قانون الستين»، قائلا: أنا ضد الرجوع الى «قانون الستين»، لانه من غير الطبيعي ان نلاقي طلائع الثورة التي عكستها نتائج الانتخابات البلدية بالعودة 80 سنة الى الوراء، بدل ان نتطلع الى الامام.. ويدق جنبلاط جرس الانذار، منبها الى ان هذا الامر إذا حصل سيعيد انتاج الازمة وبالتالي سيهدد بانفجار كبير، لانه يتجاهل ضرورة تأمين تمثيل صحيح للناس، يلبي الحد الادنى من تطلعاتهم ويجدد خلايا العملية السياسية.

ويوضح جنبلاط انه يؤيد خيار النسبية، «لكننا لا نزال مختلفين على مداها وعلى حجم الدوائر»، لافتا الانتباه الى انه مستمر بدعمه للخطوط العريضة للمشروع المختلط الذي كان قد تم التوافق عليه بين «الحزب التقدمي الاشتراكي» و «تيار المستقبل» و «القوات اللبنانية».

ويلفت جنبلاط الانتباه الى انه يولي أهمية قصوى لكيفية تقسيم الدوائر، مشددا على ضرورة توزيعها بالطريقة التي تحمي حقوق الاقليات وصحة تمثيلها. ويضيف: مصالح الاكثريات محفوظة نسبة الى حجمها العددي وواقعها الديموغرافي، اما الاقليات فلا تحتمل المجازفة، وكلنا لاحظنا كيف ان العلويين والمسيحيين دفعوا الثمن في الانتخابات البلدية في طرابلس، علما ان هذا الخلل يستدعي إجراءات على مستوى القانون تمنع تكراره، وتحمي حقوق هذين المكونين في المدينة.

أما في ما خص الاستحقاق الرئاسي المجمّد في ثلاجة الانتظار، فان جنبلاط يوحي بان الحاجة أصبحت ملحة الى «صدمة» تذيب الجليد الذي يغطيه، قائلا: لما كان الافق الرئاسي مسدودا، فأنا أدعو العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية الى ان يعيا خطر التعطيل، الآتي من سوريا او ايران او ربما كلاهما معا، وبالتالي أتمنى عليهما ان يتوجها الى طهران ودمشق لمعالجة هذا الملف وتأمين ظروف انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

وفي سياق آخر، يشير جنبلاط الى عدم جواز الاستخفاف بوطأة العقوبات المالية الاميركية التي يبدو انها لا تميز بين «حزب الله» وبين المؤسسات الموجودة في البيئة الشيعية، مشددا على ان هذا النمط من العقاب مرفوض، ولا بد من وضع آلية لحماية فئة واسعة من اللبنانيين من العشوائية في تنفيذ العقوبات، على ان يتم إعداد هذه الآلية بالتعاون بين المصرف المركزي ووزارة الخزانة الاميركية.