جمهورية البواخر… بإمتياز

الهام فريحة

قبالة معمل الذوق الحراري لتوليد الكهرباء تربض باخرةٌ تركية لتوليد النوع ذاته من الكهرباء لسدِّ جزء يسير من حاجة السوق اللبناني من التيار.
قبالة الشاطىء في طرابلس تُبحر في شكل شبه يومي باخرة تُقل لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، يُمزِّقون جوازات سفرهم طمعاً باللجوء إلى بلدٍ أوروبي سيكون في يقينهم أفضل من لبنان ومن سوريا ومن أيِّ مخيم للاجئين الفلسطينيين.
وقبالة مرفأ بيروت سنشهد قريباً بواخر تُقل نفايات البلد بعدما سُدَّت في وجهها كلُّ المكبات والمطامر، المدروسة منها والعشوائية، على الأراضي اللبنانية.
إنها جمهورية البواخر بإمتياز، ولبنان متآلف مع السفن والبواخر منذ أيام الفينيقيين مروراً ب سفر برلك حين كانت مراكبنا عل مينا وصولاً إلى اليوم.
إنها حكاية الشاطىء اللبناني الذي إما يُصدِّر عظماء وإما يُصدِّر نفايات. ويبدو أنَّ هذه المرة دور النفايات بعدما سُدّت في وجهها أبواب الإسترزاق في المطامر اللبنانية ومعامل المعالجة.
ولكن كيف وصلنا إلى هنا؟

ولماذا؟

المسألة في غاية البساطة وقد قالها المير طلال إرسلان على طاولة الحوار أمس وبكلِّ جرأة، حيث توجّه إلى المتحاورين بالقول:
إنني لا أستطيع أن أُلزم الناس بأيِّ شيء، لأن لا ثقة بالدولة. هذه هي كل القضية:
الناس لم يعودوا يثقون بالدولة، لا أحد من السياسيين قادراً على إقناع مواطنيه بإستحداث مطمر ومعمل للمعالجة، حتى ولو كان معمل المعالجة مستورَداً من السويد أو فنلندا أو ألمانيا، حيث معايير السلامة العامة والصحة العامة مرتفعة جداً. الناس تجرَّأوا.
تلك هي القضية، وإذا كان جميع المواطنين يرفضون النفايات في مناطقهم، فهناك حلٌّ من إثنين لا ثالث لهما:
إما تسفير النفايات، وإما أنَّ كلَّ قرية أو تجمُّع قرى يتَّفق على مكان لمعالجة النفايات، ويكون الأمر على عاتق البلديات لا على عاتق السياسيين.
والقضية الجديدة المطروحة هي:
في حال قُرَّ الرأي على تسفير النفايات، فكيف سيتمُّ التعاطي مع الموضوع؟

مَن سيكون المعني به؟

هل ستُشكّل لجنة؟

ما هي الأكلاف؟

كيف سيتمُّ التمويل؟

هناك أمرٌ  لم  يفهمه  بعد السياسيون:

أغلبيتهم الساحقة لم يعد الناس يثقون بهم. هذه حقيقة يجب أن يفهموها.

الناس يريدون معالجة للنفايات ولكن ليس على أيدي السياسيين، فكما كان يُقال:

إنَّ الحروب أخطر من أن تُترَك للجنرالات وحدهم، هكذا يمكن القول:

إنَّ النفايات أخطر من أن تُترَك للسياسيين وحدهم.
ولكن قبل ذلك، وقبل التسفير، ماذا سيكون عليه مصير النصف مليون طن الموجود رمياً او طمراً بشكل عشوائي؟
تلك هي القنبلة الموقوتة وبائياً وبيئياً، وهذا ما يجب التفكير فيه قبل فوات الأوان، وقبل التسفير.