ثمة سيمفونيةٌ واحدة..

أحمد وهبي

يحاولُ…
لطالما يحاولُ أنْ يطلعَ من تلك المرآةِ المسحورة، تخفي أشياءً وأشياء. ماذا، أتخفي عينيْ ساحرةٍ..؟ ربّما، لا بل أكثرَ من عينٍ مثل نجمٍ بعيدٍ، وقد لمحَ طيفَهُ في عينيهِ، تدوران، تطوفانِ في أفواهٍ غريبةِ، تُحَدِّقُ، تركلُ الدّموعَ والمسافات، تنفخُ على الغابات وسديم العشب والضباب، ثمّ تُغمِضُ على حويصلات الأطيار، كي تصلَها أخبارُ الأرض، حيث الناس يجوبون أعاجيبَ تقطرُ آلاماً شاردةً ذاهلةً.. عن أولئك السَفَلةِ، في أبراجهم، يتّخذون أشكالَ الديَّاثين والغانيات.

من الصعبِ بمكان، أن يَجزِمَ أين هو.. داخلَ المرآة أم في مكانه المُعتاد…!! وليست أحاجٍ، هو حيث يلوذُ في اللاوعي.. متخطّياً دهورَ التعبِ والشقاء، وفوق ظهره مرآتُهُ المسحورة، لكنّهُ، لا يُدحرجها كصخرة سيزيف، يقفان مُنتَصِبَيْ القامةِ فوق تلٍّ علٍّ من رموش الشّمس، ليقبضَ على صورتهِ الأولى والثانية.. حتّى انعقاده على صورتهِ ماحياً ملايين الأعوام، متآبداً جوائحَ العوالم، متآبِطاً نوازعَ الكائنات، غازياً روائحَ المقبلين إلى انقضاء الأعوام…

وهم كثيرون، ملاحقون بخبزهم ومائهم، بدمائهم.. يرى دمَهُ، يعرف الفصولَ حين تتبدّل، يعرف الأشكال حين تتغيّر، يعرف كم صار عليه من العمرِ.. لا يُهرَمُ بالسنين، وليس عجوزاً، معجوقاً إثرَ لمسات… متلبّساً يكون بريشةِ وقعتْ من غمامةِ، أدركتْهُ لحُلُمٍ يحاول رسمَهُ باصطلاءٍ مموسق الأشجان، يحملُ خربشات الزنازين، كان لحمُهُ هناك على صورةِ آخرين، واليد الغريبة، تُطلقُ كلابَ الممالك القديمة.. والتي ستقام فوق الجماجم، يبتعد على خجلٍ بصمتٍ بصوتٍ برأسٍ، لا وجهَ آخرَ للشهادة، لهذا الموت…!!

هناك، فوق تلٍّ آخرٍ معقودٍ بنبات الصعتر، يقطف جروحاً تورِقُ عاماً تلو عام. يا للعجب، وقد صار في كِساءِ الشُّهداء، بالأمس كانوا هنا، عند دكان أبيهِ.. يستجمع قواهُ كاملةَ الأطرافِ والأعضاءِ والملاعب، يشاغبُ زيزان الصيف، والنمل تنقل مؤونة الشتاءِ إلى قُراها، وبعض الصبيةِ عالقون في غابة السنديان، لا يحبّون أن يكبروا، وبشريطٍ طويلٍ من الذكريات، حمل كرات الصوفِ، والقُبلَ إلى ضياء عينيها ويديها، تقول، لقد عُدْتَ يا ولدي…!!

في مقهىً…
في مولٍ في المسكونة، تضجُّ الحياةُ بالناس، وقد نالت شيئاً من ملامحهم، وتلاشت الأصواتُ إلّا من بعضها، تصل المسامعَ بلا إرادةٍ أو استئذان.
ثمة نقاشٌ يدور في خَلدِ البشرية جمعاء، سؤالٌ يحضر بإصرار، كيف سيكون اليوم التالي، وقد وضعتْ جائحة كورونا كوكبَ الأرض في الحَجْر…!!

بالطبع، تدور أسئلةٌ لا حصر لها، حول الأدوية الناجعة ووسائل الحماية. وكي لا تأخذَ بالبشرية سهوةُ اللّاجواب، أو تغرق في توهةِ الأوهام؛ فإنّ أقربَ وصفٍ.. بأنَّ البشريةَ دخلت في نفقٍ مجهولٍ أشبهُ بثقبٍ أسود.. لا بصيصَ نورٍ أو ضوءٍ فيه مهما أمعنت النظرَ وأنعمت. لعنةٌ ما حلّت على المعمورة ، كأنّما دخلت أنبوبَ انشطار الذّرة في سويسرا، أو في حقل ألغام من مخلّفات العقول التدميرية، أو قفصاً في مختبرٍ من مختبرات التجارب على الفئران، لو تخيلوا لبرهةٍ أن يكون هذا مآلهم.. مآل الأمم، كما لو يدٌ هائلة الحجم شفّافة، لا تُرى، ترمي، ترشُّ عليهم من نثار هذي الجائحة وسلالاتها؛ فيذهبون شاردين في كلِّ اتّجاه.. حتّى إذا بلغ منهم الهذيان، والغليان، ينتهون إلى باطن الأرض.. يُقَدَّدُون لوقتٍ ليس معلوماً، ليس قيامةً، ليس.. وقد تحوّلوا إلى وجباتٍ وبأيديهم، ربّما صناعة سوداء، إسقاطٌ في السياسة، في الإقتصاد، في الاجتماع، في الموتى، الأخلاق، في الأشباح والمُفرقعات الناريّة الوطنية حتّى الثمالة.

على وجه البسيطةِ.. آلامٌ بداخلنا، ندور والأرض دائخين، وعلى الجلود جَلْدٌ بكتاباتٍ مبهمة، محطاتٌ لاهثة، كتبٌ تتآكلها النيران، والأكفان تُقامُ مشاهدها على قدم وساق الولائم، تُرفعُ الصور، والوحوش عَنَّا.. لا نتجرّدها، نبكي دماً متخثّراً، ونركض لقاءَ حبّةِ أسبيرين، لقاء حبّة قمحٍ وقبضة حنطة، وقد أُميطَ لثامُ الحياءِ فاقع الوجوه. ثمة سيمفونية واحدةٌ للبشرية جمعاء.