اللجوء الى استراليا…!!

حكومة آبوت قررت استقبال 12 ألف لاجىء سوري وعراقي خلال سنة 2015 – 2016
فهل هي الدفعة الأكبر في تاريخ استراليا؟

بقلم بيار سمعان

تفاعلت حكومة آبوت بإيجابية مع الازمة الانسانية التي يشهدها الشرق الاوسط نتيجة للصراع الدائر في سوريا والعراق.
الملايين غادروا مدنهم وقراهم خوفاً من الموت في نزاعات الآخرين، لكن مجموعات من الاقليات ارغمت على النزوح بسبب اعمال الاضطهاد المبرمج والتصفيات والاعتداءات لا لسبب عسكري بل نظراً للاختلاف الديني والعقائدي.
حيال هذه الاوضاع المتردية، ونظراً لغياب الحلول على المدى المنظور وعدم قدرة الحلفاء على القضاء على مقاتلي الدولة الاسلامية، او هكذا يُروّح تدفق الآلاف من اللاجئين في عملية نزوح جماعي نحو اوروبا، على امل الاستقرار في بلد ما، بعيداً عن القصف والدمار والاعتداءات والتصفيات…
12 الف لاجىء قررت استراليا منحهم حق الاقامة بالاضافة الى 17،750 لاجىء سنوياً.
ولم تتردد وزيرة الخارجية جولي بيشوب من الاعلان ان عدد اللاجئين خلال سنة 2015 – 2016سوف يكون الاضخم بالنسبة لاستراليا، منذ الحرب العالمية الثانية…
هذا التوصيف يدفعنا الى النظر في اهم المحطات التي شهدت تدفق اللاجئين وحجم تأشيرات الدخول التي منحت اليهم وأسباب لجوئهم الى استراليا.
الحرب العالمية الثانية
خسرت استراليا خلال الحرب العالمية الثانية ما يزيد على 27 الف جندي في اعمال قتالية ومواجهات عسكرية، وجرح حوالي 23 الف آخرين. كما قتل المئات من الاستراليين في حوادث مرتبطة، لكنها غير قتالية. وكان معظم هؤلاء من فئات الذكور الشباب، اي الفئات المنتجة والتي يقوم عليها ازدهار ونمو البلاد.
لهذا وجدت الحكومة الاسترالية نفسها ملزمة بالتعويض عن هذه الخسائر البشرية. فقررت سنة 1945 استحداث حقيبة وزارية جديدة خاصة بالهجرة.
ورأت الحكومة الاسترالية ان اوروبا التي ضحت استراليا من اجلها بالآلاف من ابنائها بمقدورها ان تساعد على تحسين الخلل الديمغرافي بسبب الخسائر البشرية في المجتمع الاسترالي.
واوروبا المدمرة التي تضرر ابناؤها بسبب الحرب وضاقت الدنيا بوجههم لم يتردد العديد منهم من التخلي عن ماضٍ دامٍ ومؤلم، خاصة ان قسماً منها، اي اوروبا الشرقية، منحت الدول العظمى (الولايات المتحدة وبريطانيا) حق ادارتها واستثمارها الى الاتحاد السوفياتي الملحد، مكافأة للدور الذي لعبته روسيا في دمار النازية وإعادة تقسيم العالم. هذه البلدان المسيحية بمعظمها فضل العديد من ابنائهم الرحيل الى الخارج، فاستفادت استراليا من هذا الواقع وقررت سنة 1945 منح تأشيرة دخول لـ 800 الف لاجىء ونازح وغاضب على الاوضاع.
في سنة 1946 انشأت منظمة الامم المتحدة هيئة اللاجئين الدولية التي يشرف على ادارتها مفوض الامم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين. اوكل الى هاتين المؤسستين مهمة اعادة توطين الاشخاص الذين نزحوا مباشرة او غير مباشرة نتيجة للحرب العالمية الثانية.
وفي سنة 1947 بدأت استراليا باستقبال هؤلاء المشردين والمقيمين في مخيمات ومراكز ايواء النازحين. وجرى استقبالهم كلاجئين تحت رعاية واشراف المنظمة الدولية للاجئين.
وتظهر بيانات وزارة الهجرة ان 170 الف من هؤلاء دخلوا الى استراليا بين سنة 1947 و1952، ومن ضمنهم حوالي 50 الف لاجىء من الكتلة السوفياتية.
وخلال السنة الممتدة بين 1949 و1950 وصل الى استراليا حوالي 90 الف لاجىء، وهو اكبر عدد يصل استراليا خلال عام واحد. وكانت الحكومة الاسترالية بالتنسيق مع المنظمة الدولية للاجئين قد قررت ادخال 800 الف شخص، معظمهم من العائلات وفئات الشباب، ضمن خطة هجرة دامت حتى سنة 1954. وتكشف سجلات دائرة الهجرة ان 33 الف دخلوا ايضاً البلاد لاسباب انسانية لم تطلق عليهم صفة اللاجئين،  ولم توفر لهم الحكومة مساعدات خاصة، كما حدث مع مجموعات اللاجئين.
ورغم توقف برنامج اللاجئين في سنة 1954، اعادت الحكومة الاسترالية فتح حدودها لموجة جديدة من اللاجئين الاوروبيين بعد انطلاق الثورة في هنغاريا. فدخل البلاد حوالي 11،070 لاجئاً من هنغاريا في سنة 1956 – 1957، ثم لجأ الى استراليا حوالي 16500 من طالبي لجوء سنة 1969 – 1970 على أثر الاجتياح الروسي لتشيكوسلوفاكيا.
حرب فيتنام
دامت الحرب في فيتنام بين سنة 1962 و1975، وتوقفت الاعمال العسكرية بعد توقيع معاهدة سلم في باريس سنة 1972 انسحب بموجبها جميع القوات الاميركية والاجنبية من جنوب فيتنام، بعد سقوط سايغون، واصبحت فيتنام تعرف بجمهورية فيتنام الديمقراطية.
وتجدر الاشارة ان انسحاب القوات الاميركية وسيطرة الشيوعية على البلاد خلقا حالة من الذعر في نفوس سكان فيتنام الجنوبية بنوع خاص.
وفي سنة 1976 وصل اول قارب الى الشواطىء الشمالية للبلاد حاملاً اول مجموعة من اللاجئين الفيتناميين، وهذه كانت بالواقع اول مجموعة للاجيء القوارب. هذا الحدث الذي كان بداية لوصول المزيد من القوارب، دفع الحكومة الاسترالية الى منح تأشيرات دخول لاسباب انسانية، وهو لا يزال معتمداً حتى اليوم.
وقد ساهم وصول الفيتناميين الى تخلي الحكومة عن سياسة «استراليا البيضاء».
ويمكن القول ان معظم المهاجرين الذين دخلوا استراليا، سمح لهم بذلك لسببين:
– اما اعتباراً لمهاراتهم وكفاءاتهم واعمارهم، او تحت قانون جمع شمل العائلة. وهذه هي الفئة الاولى.
– اما الفئة الثانية فدخلت لأسباب انسانية او برنامج اللاجئين او من هم في وضعية اللجوء.
اما البرنامج الانساني واللجوء فيجري اعتماده على شكلين الخيار في الخارج او دراسة الطلبات في الداخل الاسترالي.
الاول يقدم الاقامة لهم والثاني يوفر الحماية لمن هم في داخل البلاد. اما هجرة الفيتناميين الى استراليا، شهدت 3 مراحل:
1 – إيواء اليتامى، (537 يتيماً) حدث ذلك خلال حرب فيتنام.
2 – اعادة توطين اللاجئين (1975 – 1985).
3 – جمع شمل العائلات.
اللافت انه في تعداد 1975 تبين ان الف فيتنامي  فقط يقيمون في استراليا، لكن في احصاء 1981 ارتفع هذا العدد الى ما يزيد على 41 الف مقيم من اصل فيتنامي او ولدوا في فيتنام، ومعظم هؤلاء من الكاثوليك الذين عانوا من ويلات الحرب ثم الاضطهاد من النظام الشيوعي. فقبلت استراليا بين 1975 و85 حوالي 95 الف من فيتنام، وكامبوديا ولاووس.
الحرب اللبنانية:
ومع نهاية الحرب في فيتنام، اندلعت الحرب اللبنانية سنة 1975، ومارست الجالية اللبنانية ضغوطاً على حكومة فرايزر فمنح 15 الف لبناني تأشيرة دخول كلاجئين، كما استقبلت استراليا 6 آلاف مواطن من تشيلي فروا من الاضطهاد على يد النظام العسكري المخابراتي.
وخلال الثمانينات من القرن الماضي (1980) انخفض عدد اللاجئين من 22 الف سنوياً الى حوالي 11 ألف في سنة 1990.
احداث ساحة تيانانماني
في حزيران من سنة 1989، وقعت اعمال عنف في الصين عندما واجهت قوات الجيش النظامي الآلاف من الطلاب في ما يعرف بانتفاضة ساحة تاينانمان حيث وقعت مجازر ضد المواطنين.
وعلى الفور اعلن رئيس الوزراء آنذاك، بوب هوك تمديد تأشيرات الدخول السياحية او الطلابية لجميع الصينيين في استراليا، ومنحوا حق البقاء اربع سنوات في استراليا. وشملت هذه السياسة 25 الف صيني من ضمنهم الزوجات والاطفال والطلاب وفي سنة 1993 منح هؤلاء اقامة دائمة في استراليا.
والى جانب هؤلاء دخل البلاد بعد الاضطرابات حوالي 20 الف صيني منحوا حق اللجوء.
يوغسلافيا
خلال السنوات الممتدة بين 1992 و2002 قبلت الحكومة الاسترالية 39 الف لاجىء منحوا حق الاقامة لاسباب انسانية نتيجة للحرب الاهلية في يوغوسلافيا، وفي سنة 1999 دخل استراليا ايضاً 4 آلاف لاجىء من كوسوفو منحوا تأشيرة دخول مؤقتة.
برنامج اللجوء الحالي.
منذ سنة 1996 تابعت استراليا استقبال حوالي 13 الف شخص سنوياً كلاجئين. ويقبل هؤلاء ممن تنطبق عليهم المواصفات التي وضعتها هيئة اغاثة اللاجئين في الامم المتحدة ورفعت الحكومة العمالية عدد اللاجئين الى 20 الف بين 2012 و2013 كتدبير مرحلي.
في سنة 2015 خفضت حكومة آبوت عدد اللاجئين الى 13،750. غير ان استثناءات ادرجت على هذا القرار وبلغ عدد اللاجئين لاسباب انسانية حوالي 25،750 شخصاً.
ومن اليوم حتى حزيران المقبل، سوف يدخل استراليا 12 الف لاجىء سوري وعراقي من الاقليات المضطهدة، الى جانب ما خصصته الحكومة لعدد اللاجئين الذين يدخلون سنوياً.
وهكذا يتبين مما ورد ان الازمات التي وقعت في بلدان عديدة دفعت الى انتقال مجموعات سكانية باعداد ضخمة، كان نصيب استراليا منها مئات الآلاف.