القيامةُ فعلُ حياة

بقلم / أحمد وهبي

… القيامةُ لذاتها، قصةُ الخَلقِ التي ستكون. نقرأ عنها، نعلم حيثياتها قبل وقوعها. هي حدوثٌ يقع في المستقبل، وقد تشكّلتْ في الوعي بقوّة التبليغ «الغيبيّ». والقوّة لذاتها، امتلاك الحقيقة لمشروع القيامة بأدواتها المُطلقة؛ فالعلاقة الأولى معرفية، برهانها في ما سيأتي، وهو جوهر الإعتقاد، وحقيقة الانتقال من الغياب إلى الوجود بشروطها الآنية – الوجودية المعلومة.
إذن، لا دورَ للخلق للفعل القيامي، وليس السؤال متى، فهو خارج السياق المعرفيّ والإرادة.
لذا، الفكرة لذاتها، قولبةٌ تحتمل كلَّ حركة الوجود حتّى الوصول لنهاية الوجود كما يُعرَف، ويُدلّل عليه من خلال وجهتين، الأولى، الناحية العلمية، حول نشأة الكون، وتَشكُّل الأجرام والكواكب والمجرّات، هي، كما البشر تخضع لقانون الفيزياء في الحياة والفناء… والأهم التوسّع – التكاثر. الكون لا يزال يتوسّع، وكلّما ازداد اتّساعاً، ازدادت المجرّات بُعداً، كاسرةً للزمان هنا بمعناه الوظيفي، متباعدة لآلاف السنين الضوئية لديها.
الثانية، حيث شُبّهَ الكون في الكتاب الكريم، بالسجّل، يومَ يُطوى كطيّ السِجّل، والمسألة، هي مسألة حياة مُحدّدة سلفاً، بمعنى صلاحية المُنتَج، وانتهاء الصلاحية، لا مخلوقَ أبدياً أو خالداً في الوجود الذي نعرف ونحيا.
لذا، القيامة علمياً، أمرٌ يرتبط بديمومة مكوّنات الحياة، ومخدِّماتها، وأهمّها كوكب الشمس. كما نشأة الكون مُحدّدة علمياً. وعوداً على بدء… للشمس صلاحية معيّنة من الحياة، بعدها تبدأ كواكب مجموعة درب التبانة بالإنطفاء والتفاعل انتفاءً لِما نعرفها عليه، ومنها سفينتنا الفضائية – كوكب الأرض، هنا نقع على علاقة مباشرة ستقع في الزمن البعيد، فهل القيامة كمصطلح إيماني مُحدّد بالبشر، هل لها فعل الاقتران بحدوث انتهاء صلاحية المُنتَج الكوني…؟ من الناحية العلمية هناك ترابط بديهي، يقيني، وهو لحظة انتهاء فعل الحياة لصالح فعل الموت، والموت هو حالة يقينيّة، وليس أمراً افتراضياً.
التدخّل الإلهي.. أن الجسدَ من التراب وإلى التراب يعود، لا بُدَّ هنا من الغوص برغبة الخلود، هنا يتغيّر الشكل، يتحلّلُ الجسد، يتذرّر لمكوّناته الأولى، تلك المُطابقة لغُبار النجوم، الكائنات والأجرام تحوز على مكوّناتها المشتركة. إذن، الخلود في الدّنيا يستمرّ لدينا، إنما يختلف في الشكل ويستمرُّ في المضمون العضوي، يتفاعل لذاته مع مختلف العناصر.
في البُعد الآخر… « يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربّك راضيةً مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي «…
صورة أو لوحة القيامة هي واضحة في الميتولوجيا، شئنا أم أبيْنا، تعود المسألة لفعليْ القَبول تسليماً أو الرفض بعيداً عن محاور النقاش والجدل. استنتاجاً، الموت فعل عبور إلى الهُناك، أي الحياة الأخروية، القيامة الجسديّة، هو فعل اقتران الجسد بالروح، أي الوعي المشترك لفعل حدوث الحساب الموعود.
لذا، ينبني أفهوم القيامي على حدوث «اللاممكن» للممكن البياني، وليس في عُجالة، أو ليِّ زمام الأمور للاستغراق في هذا المنحى، إنما اعتصام الأمم بمُسمّى القيامة، هو تحفيزٌ لكسر الخنوع والذلّ والصّمت عن الطغاة فساداً واستبداداً واحتلالاً، هو خلع شرانق التماوت لأجل قيامة الوجود الحقيقي المكلّل بالإنتصار، بالفرح، بالعِزِّةِ والشموخ، بإنسانيتنا.. فطرتنا الوجوديّة يقيناً وتكاملاً، قياميّاً واعياً مبنيّاً على حقيقة الحياة والاستمرار كنهجٍ محكوم العلاقة الكونية. وهي مبتدئ القيامة لذاتها بمفاهيمها المُطلقة.
مفاهيم نختبرُ فيها انوجادنا، صُنعَ قيامِتنا الوجوديةِ المرتبطة بالقيم والثوابت والمبادئ، صراعُنا الوجودي، مثالاً، مع العدو، حيث ينتقل بنا الوعي الجمعي من اللايقين إلى اليقين بأبعاده الميتولوجية والفكرية، وكيفية تبدُّلِ الصراع عبر مشهدية فيها يعلو صوت القياميين، كما تظهر بانورامية المتساقطين، لا غرابةَ، لم تتأتَّ من فراغ؛ فالعداء الشكلي الباهت للعدوّ، كان يتمُّ عرضه الهزليّ على الدوام فوق خشبة الأرواح والأجساد، حيث تتقاطع مع التدمير والتهجير والقتل والاحتلال، مع بيانات دراماتيكية جامعة للنفاق والشِقاق، لا بل ذهبت تماهياً تطبيعياً نقيضاً وهرطقةً وكفراً.
وفي السياق، النهوض، هو حالة قيامية تستحضر أدواتها فكراً واعتمالاً، امتلاكاً لعناصر القوّة، بمعنى.. وأعدّوا لهم، وهو جوهر الإيمان والفعل الثقافي، المُشرَع على احتمالاتٍ هائلةِ التداخل، وهي البعد الوجودي – الأخروي، لا تنفصم عنها مساحات واسعة الخيارات والتناقض، لكنّها المؤكَّد على حركاتٍ متنوّعةٍ متعدّدة ضمن مشروع القيامة الواعية لحركتها الطبيعية، حتّى الوصول للقيامة الكبرى الإلهية – حدوث الحساب، يكون فيها المرء أمام حسابٍ على الأقلّ غير عسير على أهل الحقّ.