الفكر السلفي في الدين والدنيا

فاجأتني شقيقتي التي تجاوزت الستين من العمر بأن إصبعها مدوحث، فقفز لذهني بأن هذا لفظ قديم لبيان مرض مجهول رغم أنه يعيش معك في جسدك، نعم هو لفظ سلفي لا أعرف بالضبط مدى عمقه ولا بداية جذوره في عقولنا.
لكن أيا كان الأمر فلقد ربطت بين عقل السلفي وكلمة مدوحث، فالسلفي يؤمن بالقديم مهما كان مجهولا في أصله، فهو يؤمن بأنه سيدخل الجنة برحمة الله، وهو بذلك ينهك قيمة آيات كتاب الله التي تخصص العمل فقط لدخول الجنة [وهل تجزون إلا ما كنتم تعملون].
والعقل السلفي يؤمن بالتقسيم الجائر للفقه الديني بأنه عبادات ومعاملات، وبنظرة سريعة لهذا التقسيم تجده يصرح في مواربة بأن العمل ليس من العبادة، وبهذا فسدت الأمة وتخلفت وبتنا نستورد كل شيء.
والعقل السلفي يؤمن بالنقل ويقدمه على العقل وذلك على اعتبار بأن كل ما جاء بالتراث نص يجب الانصياع له، لكنه لم يدرك بأن الله أمرنا بالتدبر في كل شيء، وقدّم الله أصحاب العقل على أصحاب النقل ممن يدينون بدين [هذا ما ألفينا عليه آباءنا].
والعقل السلفي يعظم الأشخاص وهو بذلك يرتمي في أحضان فكر القدماء ويلعن فكر المحدثين وبخاصة من الذين خالف فكرهم فكر القدماء، وعندهم علم يسمى علم الرجال يعتمد أصلا على عدالة الراوي مهما كانت روايته، وهم وسلفهم الصالح مخالفين في ذلك قوله تعالى [يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا…..]، ففهموا عكس ما ترمي إليه الآية، فبينما ترمي الآية عليك فرض التثبت من القول، فإذا بهم يرفضون رواية الفاسق، ويقبلون من يرونه عدل ضابط، ويهملون التثبت من الخبر الذي أمرهم الله بالتثبت منه؛ فهل صدق الراوي يدل على صدق الخبر؟!، أم صدق الخبر يدل على صدق الراوي، لا شك بأن العقول السوية تنتمي لمبدأ أن صدق الرواية يدل على صدق الراوي، لكن الفكر السلفي عكس ذلك….فهكذا عقل السلفي هو مدوحث دائما..
والعقل السلفي ينطلق من الحديث النبوي على حساب كتاب الله، فهو لا يهتم بمناقضة فكره لكتاب الله، إنما يهتم بكل الإعزاز بما روته له أساطير الأحاديث التي لم يتثبت منها، لكنه تثبت من رواتها، لذلك تجده يرجم الزناة، ويقتل تارك الصلاة، ويقتل المرتد، ويقتل الساحر، ويبتر يد السارق ولا يقطعها، وهو يهدم كل الحضارات خشية الإشراك بالله، ويقتل الفنون بأنواعها….وغير ذلك كثير كثير، وهو بذلك مخالفا لقوله تعالى [ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا….] فتجده وقد ورث السنة عمليا ورفض عمليا ومنهجيا أن يرث الكتاب (القرءان)، وإن كان يرفع عقيرته قائلا بأن منهاجه قرءان وسنة بفهم سلف الأمة.
والعقل السلفي يحصر الحق والدين والتدين في منهاجه ونهجه، ويرجم الآخرين بالكفر والفسق والضلال بدم بارد، مخالفا بذلك قول ربنا [ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون].
والعقل السلفي جعل من فهم السلف معصوما جديدا لم يرد في نقل ولا عقل، فهم يقولون بأن منهاجهم قرءان وسنة بفهم سلف الأمة، وسلف الأمة لم يكونوا على أحلام الصلاح التي يزينها السلفيون للناس، فهم الذين قاتل بعضهم بعضا بحد السيوف بعد وفاة سيدنا رسول الله، بل نزل فيهم قرءان مسبق يقول الله فيه عن سيدنا رسول الله [أفإن مات أو ققتل انقلبتم على أعقابكم]، وهم الذين زوروا الأحاديث على سيدنا رسول الله، وهم الذين قتلوا الخلفاء الراشدين عمر وعثمان وعلي، بل هناك من يقول بأن سيدنا أبو بكر مات مسموما، وهم الذين جعلوا الخلافة ملكا مورثا، وهم الذين قتلوا كل أهل بيت النبوة من الذكور، وهم الذين اقتادوا حفيدات رسول الله مكبلات بالأصفاد في موكب نصر ملعون، وهم الذين رجموا الكعبة بالمنجنيق وشربوا الخمر على سطحها، وهم الذين هجموا على المدينة المنورة وقتلوا ثلاثة آلاف وخمسمائة مسلم منها وفضوا غشاء بكارة ألف فتاة لما رأى حكماء المدينة المنورة عزل الخليفة يزيد بن معاوية، وهم الذين سجنوا وعذبوا الأئمة أبو حنيفة ومالك وابن حنبل لمخالفتهم الرأي، وهم الذين قالوا بفرض الجزية على كل أهل الكتاب من أهل الذمة مخالفين بذلك كتاب الله الذي فرضها على من لا يؤمن باليوم الآخر، وهم الذين برروا الاعتداء على الأمم عسكريا بما أسموه الفتح الإسلامي بينما الإسلام بريء من هذا التوجه، وهم الذين زينوا عدم الخروج على الحاكم، رغم أنف الأمر بالمعروف والنهب عن المنكر.
وهم الذين قالوا بتعظيم الأئمة الأربعة رغم وجود أعلام آخرين للأمة، ورغم عدم إلمام الأئمة بكثير من الثقافات والعلوم لعدم وجود الطباعة في عهدهم، وهم الذين منعوا الاجتهاد بعد الأئمة لنعيش في أفكار قديمة أصبحت مع مرور الزمن عليها أوحالا فكرية وفقهية.
وهم الذين جعلوا المسلم يعيش الأوهام فهذا شيطان للوضوء اسمه ولهان وذاك اسمه خنزب شيطان للصلاة، ودورات المياة عندنا تحوي ذكور الشياطين وإناثها، وبالليل توجد العفاريت لذلك يجب أن نلملم أولادنا من الطرقات حتى لا تصيبهم العفاريت بسوء، وللجماع شياطين تزاحمك عند جماع زوجتك، وتصيب المولود بنخسة يصرخ منها كل مولود حين ولادته، فهذه معتقداتهم الموروثة منذ أيام الجهل الفكري السلفي، وكل هذا لهم فيه مرجعية من الحديث النبوي، أليس هذا بفكر مدوحث؟!.
وهم الذين حرموا كل الفنون ويريدون هدم الثقافات، وينشرون الرعب في قلوب غير المسلمين ويظنون بأنهم أهل التقوى والمغفرة، وهم بذلك مخالفين لقوله تعالى:[ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة]، ومخالفين ايضا لقوله تعالى [ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هبي أحسن].
وهم الذين حرموا التلفاز فلما صاروا نجوما به قالوا بتحليله، بل يحلف كبير دعاتهم بالله بأنه لا يتقاضى جنيها واحدا من قناة الناس، فلما واجهوه بأنه يتقاضى عشرة آلآف دلار شهريا، فقال لقد حلفت على الجنيه ولم أحلف على الدولار.
وهم الذين قالوا بحرمة الديموقراطية فلما أرادوا ترشيح أنفسهم خالفوا الأحاديث النبوية الموجودة بصحيح البخاري ومسلم التي تنهى المسلم أن يطلب الإمارة ولا أن يحرص عليها، وطلبوا من الناس انتخابهم وعدم انتخاب غيرهم فخالفوا القرءان القائل [فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى].
ولأهمية أن يعرف القارئ كيف يغير السلفي جلده، نسوق لك نصوص أحاديث الإمامان البخاري ومسلم بشأن الإمارة وطلب توليها، والإمارة تعني طلب أي منصب سواء أكان مجلس شعب أو شورى أو رئاسة جمهورية
فبصحيح مسلم باب ما يكره من الحرص على الإمارة حديث رقم [ 6729 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة] .
وبالحديث رقم[ 6730 ] عن أبي موسى رضى الله تعالى عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من قومي فقال أحد الرجلين أمِّرنا يا رسول الله وقال الآخر مثله فقال إنا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه.
وبصحيح مسلم باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش أي من الضروري أن تكون قرشيا حتى ننتخبك، فهكذا الصحاح التي يولع بها العقل السلفي، حيث ورد بالحديث رقم [ 1818 ] عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم]. وذات المعنى بالأحاديث أرقام [ 1818 ] و أرقام [ 1819 ] و [ 1820 ].
فهل يقدم كل مرشح سلفي شهادة بأنه من أصول قرشية حتى يمكنا تنفيذ حديث رسول الله وحتى لا نخالفه، وكيف نوليه مجلس الشعب والرسول ينهى عن تولية أي شخص يسأل المنصب أو يحرص عليه، أليست لا فتاتهم وسرادقاتهم واستخدامهم للمساجد حرص على تولي الإمارة، ألا يسألون الناس انتخابهم، فهل أصبحت الديموقلااطية وسيلة للوثوب على المناصب رغم أنف السنة النبوية.
وكيف يستخدمون المساجد للترويج لأنفسهم رغم نهيهم المستمر عن ذلك قبلا، أليس عندهم حديث عن من سأل الناس شيئا بالمسجد أو فقد شيئا أن نقول له لا ردها الله عليك ولا أجاب مسألتك!.
وهكذا ولغير هذا فأنا أرى العقل السلفي مدوحث، فهل أنت معي أم تخالفني الرأي، فمن خالفني منكم لن يكون كافرا ولا فاسقا ولا علمانيا كافرا ولا ليبراليا منحلا، فالاختلاف سنة الحياة.