الفساد يُطعِم اللبنانيين سرطانات في أطباق يومية! 45 منتجاً مستورداً من الهند تسمِّم اللبنانيين

كان الأسبوع اللبناني مرعباً، لا على مستوى المخاوف الأمنية أو المالية أو السياسية فحسب، وما أكثرها وأخطرها، بل جاءهم وزير الصحة وائل أبو فاعور بخبر شكّل لهم صدمة مدوّية:

هناك 45 مبيداً زراعياً في السوق اللبنانية تسبب السرطان والتشوهات الخلقية وتؤثر على الحوامل، وفق ما أظهرته نتائج التدقيق في المبيدات الزراعية.

وقال أبو فاعور في مؤتمر صحافي: سيتم اخراج هذه المواد من السوق خلال فترة عام، وسيمنع دخول المبيدات غير المسجلة الى لبنان. والمبيدات التي تحتوي على مواد مسرطنة تدخل في المنتجات التي يتناولها الإنسان، فيما ستخضع للفحوصات الطبية اللازمة، جميع البضائع التي وصلت الى المرفأ وستصل قريباً. وكشف أن عدد المصابين بمرض السرطان في لبنان وصل 205 اشخاص ضمن كل 10 آلاف شخص، بينما الدول العربية الأخرى تبدأ من معدل 185 مصاباً كل 10 آلاف، وينخفض الرقم.

وأما وزير الزراعة أكرم شهيب فقال في المؤتمر: تم تشكيل لجنة مشتركة لمراقبة الإنتاج الزراعي المحلي، والتأكد من أن رواسب المبيدات فيها ضمن المعايير المسموح بها دولياً.

وهكذا، وقف اللبنانيون أمام أسئلة كبيرة وخطرة في

الأيام الأخيرة: كيف لهم أن يواجهوا هذه المخاطر؟ وكيف يمكنهم أن يعرفوا إذا كانوا يأكلون ويطعمون أطفالهم مرض السرطان عن سابق تصوّر وتصميم؟

كشف الوزير أبو فاعور أن الأدوية والأسمدة الزراعية والمبيدات الفاسدة التي توزع على المزارعين والمزارع تأتي من الهند، موضحاً أن هذه الأسمدة والمبيدات لا تستعمل في الهند لأنها خطرة جداً، ولكن تستعمل عندنا وفي مزارعنا. وأكد أن هذا الامر ينطوي على خطورة كبيرة على الزراعة ما يشكل خطراً علينا لأن هذه المزروعات يستهلكها المواطن.

وأشار إلى أن هؤلاء المهربين والمتورطين بالأمر يريدون تخزين الأدوية في المستودعات اللبنانية قبل أن نمنع استيرادها من الخارج. وأكد أنه لن يدخل إلى لبنان أي صنف مبيدات او ادوية زراعية يساورنا شك بنسبة 1 في المئة في أنها تتضمن مواد مسرطنة.

نسبة تجاوزت الحدود

وزير البيئة السابق انطوان كرم يقول إن النسبة في لبنان تخطت تلك المسموح بها عالمياً بحيث وصلت الى ما بين ٣٠% و١٠٠% في الخضروات والفواكه كالكوسا والبندورة والخيار والفريز والخوخ وسواها. والمشكلة تكمن في أن المزارع اللبناني يتبع سياسة التكثيف زراعات محمية والإفراط في استعمال المدخلات الزراعية ظناً منه أنّ هذا السلوك يساعد في تحقيق أرباح أكثر، إلاّ أنّه يتجاهل او حتى يجهل ضرر سوء استعمال المبيد أولاً عليه وعلى عائلته بالتعرض المباشر وثانياً على البيئة اتربة، الهواء والمياه وأخيراً على المستهلك.

وتبقى مشاريع القانون المقدمة الى مجلس الوزراء والمحالة على المجلس النيابي عالقة منذ سنوات وأبرزها قانون سلامة الغذاء وقانون تنظيم بيع الأدوية الزراعية. ويؤكد رئيس لجنة الصحة النيابية الدكتور عاطف مجدلاني انه تمّت مناقشة اقتراح قانون سلامة الغذاء وتشكلت هيئة لمراقبته وتطبيقه، لكنه تعثّر فجأة بسبب اعتراض وزيري الزراعة والصناعة بسبب نقاش على الصلاحيات.

وثمة اهتمام مستجد بالزراعة العضوية في ضوء الأزمة الناشئة، إنطلاقاً من اعتبارها الخيار الأفضل لتجنب التلوث والأمراض السرطانية. وكما القانونان المذكوران فان مشروع قانون تنظيم الانتاج العضوي ينتظر وضعه على جدول اعمال مجلس الوزراء.

وبعدما تحوّلت الدول المتقدمة نحو الزراعة العضوية ومنتجاتها البيولوجية الخالية من الأسمدة والكيميائيات، بات بمقدور الإنسان تجنب الأمراض وحفظ أمنه الصحي والغذائي. وفي العام 2005، تشكّلت اللجنة الوطنية للزراعة العضوية بقرار من وزير الزراعة السابق الدكتور طراد حمادة تحت الرقم 226/1، وأوكل اليها مهام دراسة كل ما يتعلق بتنمية وتطوير قطاع الزراعة العضوية في لبنان وتنظيمه. وفي هذا الاطار أنجزت اللجنة مشروع قانون لتنظيم الانتاج العضوي في لبنان، وذلك ضمن مشروع تحديد مشاريع ممولة من الحكومة بالتعاون بين وزارة الزراعة ومنظمة الفاو، وتمّ عرضه على مجلس الوزراء في كانون الأول/ديسمبر الفائت بانتظار ان يوضع على جدول أعمال اجتماعاته.

دعوى جمعية المستهلك

وعلّقت جمعية مستهلك لبنان على فضيحة المبيدات الزراعية بالقول: لا نقبل معالجة هذه المشاكل الخطيرة بإعلام اللبنانيين بطريقة الندب والبكاء على موتهم، أهكذا يكون دور السلطات أم في إيجاد الحلول الجدية. ألا يستدعي هذا الموضوع الخطير وقفة جدية لمعرفة الأسباب التي ادت إلى الوصول الى هذا المنحدر ومحاسبة المسؤولين عن تدمير صحة المستهلك اللبناني، وتحرك النيابة العامة بعد كل هذه الإخبارات، والتشكيل الفوري للهيئة الوطنية لسلامة الغذاء. وألا يستدعي الأمر إجتماعاً عاجلاً لمجلس الوزراء؟

وطالبت بسحب كل المبيدات الممنوعة من مستودعات الشركات ومن الأسواق فوراً، وإلزام الشركات بعدم بيع هذه المبيدات تحت طائلة المعاقبة وسحب الترخيص، والقيام بتتبع الأسواق لسحب كل هذه المبيدات، وبمحاسبة المسؤول عن إدخال كل هذه المبيدات وتسجيلها وإجراء الفحوصات العاجلة على المنتوجات الزراعية للتأكد من خلوها من المتبقيات السامة والخطيرة كخطوة لإعطاء نوع من الأمان للمستهلك. وأعلنت أنها في صدد تقديم شكوى على الذين قاموا بإدخال هذه المبيدات وبيعها في الأسواق، لأننا لن نتهاون بصحة وسلامة المستهلك.

ونشرت مجموعة العمل البيئية EWG (Environmental Working Group) تقريرها الذي يُعدّ الأول من نوعه على المواد الكيميائية المسرطنة التي وُجدت في جسم الإنسان بعد جمع بيانات المؤشرات الحيوية التي ترصد مستوى المواد الكيميائية في الدمّ والبول وحليب الأم والشعر. واكتشفت أكثر من 420 نوعاً من المواد المسرطنة المحتملة.

وأوضحت أنّ ليس من الضروري أن يكون الشخص مصاباً بالسرطان إذا وُجدت هذه المواد الكيميائية في جسمه، على رغم وجود علاقة واضحة بينها وبين المرض قدّرت منظمة الصحّة العالمية أنّ ١٩% من السرطان سببه عوامل بيئية، وتؤدي درجة السموم في المواد الكيميائية ومدّة التعرّض لها وجينات الجسم دوراً مهماً. وأشارت إلى أنّ 9 من أصل أكثر من 400 مادة مسبّبة للسرطان ليس لها مخاطر جدية.

وتوجد المواد المسببة للسرطان أينما كان: المنتوجات الصناعية والمبيدات والمصادر الطبيعية كالطعام والماء، لكن يمكن لتعديلات بسيطة في نمط الحياة أن تخفف خطورة التعرّض للمرض. وأشارت الخبيرة في الهرمونات سارة جوتفريد إلى أكثر المواد المسببة للسرطان وأعطت نصائحها بالإبتعاد عنها، وهي:

1 – المعادن الثقيلة كالزرنيخ والكادميوم والزئبق والرصاص هي من أكثر المواد المسببة للسرطان، وفقاً لما ورد في التقرير، وقد وُجدت في ٩٠% من أجسام المشاركين في الاختبار. وإنّ عمال المصانع هم الأكثر تعرضاً للمعادن الثقيلة لكن أثر المعادن موجود أيضاً في مياه الشرب وبعض المأكولات البحرية. وتصيب هذه المعادن جهاز الغدد بخلل وترتبط بالحمض النووي DNA لتُسبّب التنوع الجيني.

2 – المبيدات الحشرية من المزارع الصناعية قد تتسلل إلى مصادر الطعام، وقد وجدت آثارها من ثلث إلى ثلثي تلك التي تمت دراستها. وتنصح EWG باختيار المنتوجات العضوية بقدر الإمكان، وتوصي الدكتورة جوتفريد بالاستثمار في مشروع نظام تعقيم للمياه لمنع تلوث المبيدات في الحنفية.

3 – الفثالات، وهي مواد كيميائية اصطناعيّة نجدها في بعض أنواع البلاستيك ومواد التجميل والمبيدات الحشرية كما أنها معروفة بالتسبّبت بخللٍ هرموني لارتباطها بعملية التمثيل الغذائي والخصوبة ومسائل الصحّة الإنجابية. وتوصي EWG بالإبتعاد عن منتوجات العناية بالبشرة والصحة والتنظيف التي تتضمن موادها كلمة عطر. كما توصي الدكتورة جوتفريد بتجنب المنتوجات البلاستيكية التي تتضمّن الرقم 3 رمز إعادة التدوير الموجود في الأعلى، لأنها تحتوي على الفثالات.

4 – البسفينول أ (BPA) وهو مادة كيميائية موجودة في الأدوات المنزلية البلاستيكية مثل زجاجات الماء، وهي تُلحق الضرر بجهاز الغدد ومرتبطة بالسمنة والسكري والتهاب بطانة الرحم. وتنصح EWG باختيار الطعام الطازج عوضاً عن المعلّب قدر الإمكان وتجنّب المنتوجات البلاستيكية المحدّدة برمز «PC» بوليكربونات أو «7» رمز إعادة التدوير. وتنصح الدكتورة جوتفريد بإضافة المأكولات الغنية بالمعينات الحيوية البروبيوتيكس كاللبن.

وأصدرت EWG التقرير لتطوير الأبحاث حول المواد المُسرطنة التي تُسبّب المرض ولنشر الوعي حول التعرّض بشكلٍ يومي للمواد الكيميائية. وقالت الخبيرة في دراسات العلوم كورت ديلافالي اعتقدنا أنّه من المفيد أن يجد الباحثون الثغرات، كما ظننا أنه من الجيد للأفراد أن يعوا خطورة تعرّضهم لكميةٍ هائلة من المواد المسرطنة في العالم، إضافة إلى مصادرها والطرق التي بإمكانهم اعتمادها لخفض نسبة التعرّض إليها.

وأضافت عندما توقفنا عن استعمال الرصاص في الطلاء، لاحظنا انخفاضاً حاداً بنسبة المواد الكيميائية في أجسام الأشخاص الذين يتعرّضون لها. وعندما مُنعت اللوحة الإلكترونية المطبوعة PCB في أميركا شهدنا أيضاً هذا الانخفاض. وأعتقد أن من الواضح، عندما نقرّ سياسات فعّالة، أننا نلمس الانخفاض الملحوظ في نسبة التعرّض للمواد الكيميائية.

المشكلة في التخزين

ويقول الدكتور في الهندسة الجرثومية والباحث في الجامعة اليسوعية أندريه خوري إنّ المشكلة تصبح أشدّ خطورة عند تخزين المزروعات وعدم مراعاة شروط التخزين المعتمدة عالمياً، بحيث تتكاثر الفطريات الموجودة أساساً بشكل كبير وتفرز هذه السموم بكميات هائلة، ما يجعل من استهلاك المواد الغذائية المصنعة من المواد الزراعية المخزّنة خطراً صحياً حقيقياً على صحة الناس، نظراً لإحتوائها على هذه السموم القاتلة التي تدخل جسم البشر عبر الأطعمة التي يتناولونها يومياً، فتجدهم بعدها ومع الوقت مصابين بأمراض سرطانية قاتلة وأهمها سرطان الكبد.

وإذ يؤكد خوري أن وجود هذه السموم في المزروعات يعني وجودها في الطعام، ولا يمكن إزالتها حتى عبر الطهو والحرارة المرتفعة، لانها كيماويات مقاومة جداً للحرارة، يشدّد على أنّه بات من الضروري تلف المواد الغذائية التي تحتوي على كميات من هذه السموم أعلى من النسب القصوى المسموح بها والمحددة عالمياً.

ويلفت إلى أنّ التحاليل التي أُجْرِيَتْ في مختبرات كلية العلوم في الجامعة اليسوعية منذ سنة 2003 على الكثير من المواد الزراعية الأولية والأطعمة المصنفة من مشتقات القمح والذرة والعنب والتفاح والحليب والألبان والأجبان وعلف الحيوانات وبعض أنواع اللحوم أثبتت وجود هذه السموم في الكثير من هذه الأطعمة وبمعدلات تتخطى الحدود القصوى المسموح بها عالمياً، كاشفاً أنه تم العثور في كثير من الأحيان على العديد من هذه السموم الفطرية مجتمعة في نوع واحد من المواد الغذائية ما يضاعف المشكلات الصحية للمستهلك اللبناني. وأوضح أن هناك طرقاً أخرى لإبادة الفطريات تعتمد على بعض المواد الطبيعية المستخرجة من عدد من النباتات اللبنانية.

في الانتظار، الناس في لبنان يسألون: ماذا عن الذين أصيبوا أو قضوا بهذا المرض في السنوات الطويلة السابقة، بسبب تعرضهم لهذه المواد المسرطنة؟ ومَن يتحمل المسؤولية؟ وماذا عن المنتجات المسرطنة التي سيتناولها الناس إلى أن تتكرّم السلطة وتسحبها من الأسواق؟

والأهم: هذه الجريمة المتمادية، التي تقتل الناس كل يوم، هل تمّ توقيف شخص واحد لمحاسبته عليها، أم إن وحش الفساد هو الأقوى؟