العلّة في الزعماء وقبلهم في الشعوب

سركيس نعوم

كان على حكّام لبنان منذ قيام جمهورية الطائف أن ينتبهوا الى أن استهتارهم بمصالح الناس واستغلالهم السلطة من أجل تقاسم النفوذ والقيام بصفقات، أو رعاية صفقات، طابعها عام لكن تفاصيلها ومكاسبها خاصة لن يدوما. وليس السبب في ذلك يقظة «الشعوب» المتناحرة في لبنان والمذاهب والديانات المتقاتلة على حكم تديره أساساً مرجعيات إقليمية ودولية متصارعة. بل هو عدم قدرة الناس على العيش مع «الزبالة» وعلى تعريض صحتهم للخطر. وهو عدم قدرة «العبقرية» اللبنانية على استنباط حل لهذه المشكلة على طريقة حل مشكلة الكهرباء أي بواسطة المولّدات الخاصة التي صارت مصدر كثير من الثروات غير المشروعة. لكن بدلاً من أن يوقظ تكدّس «الزبالة» في الشوارع وبين المنازل وقريباً داخلها الشعور الوطني الواحد عند اللبنانيين تراهم في احتجاجاتهم الصادقة ينقادون إلى الطبقة السياسيّة بكل ألوانها الطائفية والمذهبية وتناقضاتها السياسية، وإلى الطبقات الأخرى الطامحة إلى الحلول مكانها أو إلى مشاركتها، موظِّفين بذلك هذه المشكلة الصحّية العامّة في الصراع السنّي – الشيعي المحتدم في لبنان والمنطقة وفي صراع 8 و14 آذار. ومن شأن ذلك إيقاع لبنان في فوضى وفتن وحروب وتحلُّل يجعله يتساوى مع سوريا وليبيا والعراق واليمن في الكوارث. علماً أن الحقيقة الفعلية تشير إلى أن مشكلة النفايات، مثل مشكلة الكهرباء المزمنة والمستعصية على الحل، تقع مسؤولية نشوبها وعدم حلّها على كل «حكّام» لبنان سواء معارضين وموالين. إذ لم يمتلكوا يوماً رؤية تجعلهم يدركون أن لبنان بمساحته الصغيرة غير صالح لاعتماد «المطامر» حلاً «للزبالة»، وأن في العالم المتقدم حلولاً كثيرة أخرى أقل كلفة وضرراً على الناس والمياه الجوفية والصحة العامة والخزينة العامة. وربما كانوا يدركون ذلك، لكن المصالح الخاصة أعمتهم عن المصلحة العامة فتجاوزوا الخلافات «الوطنية – الطائفية – المذهبية» من أجل التشارك في حلول جزئية سامة لمشكلة النفايات. ومن المؤسف القول في مشكلة الزبالة إن الذين قرّروا حلولاً لها من سنين طويلة وتوزّعوا مكاسبها مع أعدائهم، إنما استغلوا كلهم دماء أطهر الشهداء اللبنانيين ومن كل «الشعوب» لاستغلال الشعب اللبناني. كما أنه من المفجع ملاحظة أن الهمّ الأول لمعظم الزعماء والقادة والمراجع، على تناقضهم، هو التفاهم على حلول تؤمّن حصصهم ومكاسبهم قبل أن تؤمّن مصالح الشعب أو الشعوب أو أنصارهم ومريديهم فيها. وتُسجَّل للزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط شجاعة الإعلان عن تخليه عن «شراكة» في شركة نفايات بواسطة نجليه تيمور وأصلان، كاشفاً بذلك حقيقة الصراع الذي يدور في كواليس الحكومة والطبقة السياسية حول المكاسب وليس حول صحة الناس.
طبعاً قد يكون هذا الكلام «فشّة خلق» لكن هدفه أكبر من ذلك، وهو التحذير من أن استغلال مشكلة النفايات على هذا النحو الخطير قد يكون الهدف منه نقل لبنان من عدم الاستقرار السياسي وشبه الشلل المؤسساتي – الدولتي إلى عدم استقرار أمني وإلى نهاية دولة بكل مؤسساتها تمهيداً لإقامة نظام جديد فيها. لكن هل من عاقل يعتقد أن وقوع لبنان في الحرب من جديد سيمكّن أياً من شعوبه من الانتصار ومن إقامة لبنان الذي يريد؟ ألا يدرك الذين يريدون جمعية تأسيسية أن الحرب التي يسعى أخصامهم إلى جرّهم اليها ستفرط الوطن أرضاً بعدما فرطتهم الحروب السابقة شعباً، وستجعله جوائز ترضية بعد التوصل إلى نظام إقليمي جديد وبدء تطبيقه؟ وألا يدرك الذين يمتلكون فرق «خيّالة ميكانيكية» منظّمة تجوب الشوارع وتخيف مَن فيها أن «اعداءهم» اللبنانيين وغير اللبنانيين و»الأجهزة» يمتلكون مثلها وانها ستصبح منظّمة عند انتظام مسيرة الحرب؟ وألا يدركون أيضاً أن وراء أعدائهم أيضاً دولاً مثل التي تدعمهم؟ وألا يدركون أخيراً أن التشاطر ليس في محله وأن استعمال الحلفاء صار مكشوفاً وفي ذلك ضرر لهم ولحلفائهم؟ وكيف لا ينكشف ذلك عندما يقول نائب منتمٍ الى تيار العماد عون وهو من غير دينه ومن على شاشة تلفزيون حليف: «فليستقل الرئيس سلام. ولن يحصل شيء بعد ذلك، نذهب إلى مؤتمر تأسيسي».
في النهاية ثلاث كلمات، الأولى: اللعب بالنار يحرق الجميع، القوي والضعيف ويدمّر الوطن. والثانية، الوزير رشيد درباس لا يُرشق بوردة فكيف بـ»الزبالة»، وهو النسمة الإنسانية والحضارية الفعلية في الحكومة. والثالثة، العلة في الزعماء والسياسيين وقبلهم في «الشعوب».