السلاح «زينة الرجال» حتى في استراليا

 3،2 مليون قطعة سلاح و850 الف رخصة سلاح في نيو ساوث ويلز ما عدا الاسلحة غير القانونية في يد المواطنين

Pierre-264x300

بقلم بيار سمعان

مع ارتفاع عدد السكان في استراليا وتفكّك العائلات وسيادة روح الفردية وارتفاع نسبة الامراض العقلية، وفي اجواء عالمية يسودها الخوف من الضربات الارهابية، يقابلها موجة اصولية معاكسة لدى ما يدعى باليمين المتطرف او النازية الجديدة وما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي من معلومات عسكرية ومشاهد تصفيات وقطع رؤوس ومواد تشجع على التطرف… اصبح انتشار السلاح في يد المواطنين يشكل عبئاً على الحكومات الاسترالية والاجهزة الامنية على انواعها.

 مجازر في استراليا:
ويدرك المسؤولون ان وفرة السلاح المرخص وغير المرخص يعني ارتفاعاً في عدد الجرائم المرتبطة به. والماضي القريب مليء بالامثلة والاحداث التي تثبت هذه النظرية .
في سنة 1984 وقعت «مجزرة ميلبيرا» في سدني وهي كناية عن معركة بين منظمات البايكيز جرى خلالها استخدام الاسلحة الاتوماتيكية المحظورة.
كما شهدت سنة 1987 مجزرتي Hoddle St  و Queen St في ملبورن. مما دفع حكومات الولايات والقطاعات الى ارغام المواطنين على تسجيل الاسلحة لديهم والحدّ من ترخيص البنادق الاوتوماتيكية.
وفي سنة 1991 وقعت مجزرة ستراثفيلد قتل خلالها اثنان طعناً بسكين وخمسة اشخاص نتيجة لاطلاق الرصاص عليهم. غير ان مجزرة بورت ارتر في تازمانيا تعتبر الأسوأ من حيث الخسائر وعدد القتلى. عندما اقدم مارتن براين (28 سنة) على قتل 35 شخصاً وجرح 23، قام بتصفيتهم بشكل عشوائي ودون اي مبرر. وقعت المجزرة في 28 نيسان (ابريل) 1996.
جمع السلاح :
اثار هذا الحادث ردود فعل شعبية وحالة غضب عامة، مما دفع رئيس الوزراء جون هاورد الى انشاء هيئة خاصة للبحث في ظاهرة العنف وارغم الولايات على تبني قوانين جديدة صارمة حول السلاح والحصول على تراخيص. كما اطلق مبادرة مشروع اعادة شراء اسلحة المواطنين التي قدر عددها آنذاك بحوالي 3،2 مليون قطعة سلاح من مختلف الانواع والاحجام. وتمكنت الحكومات من شراء ما يزيد على مليون قطعة سلمها المواطنون لقاء مبالغ من المال.
لكن يقدر الباحثون انه منذ ذلك التاريخ جرى استيراد مليون ونصف قطعة سلاح بشكل قانوني، اي ما يوازي 44 الف قطعة في السنة. وهذا يعني انه يوجد اليوم في يد المواطنين ما يزيد على 3،2 مليون قطعة سلاح مرخصة، ما عدا الاسلحة المهربة والتي تباع سراً في السوق السوداء.
وتجدر الاشارة ان عدد سكان استراليا ارتفع منذ ذلك التاريخ حوالي 4 ملايين نسمة، مما يعني، اعتماداً على عدد الاسلحة المرخصة ان معدل مالكي الاسلحة قد انخفض بالمقارنة منذ سنة 1996، لكن هذا لا يعني ان عدد الاسلحة في متناول  يد الناس قد انخفض.
 نسبة القتلى بالسلاح:
اجرى الباحث فيليب آلبرز من جامعة سدني، دراسة حول ظاهرة السلاح ونشر الارقام التالية حول ارتباط السلاح بمعدلات الجريمة.
فتبين ان نسبة القتلى بالاسلحة النارية في استراليا هي 0،13 لكل 100 الف نسمة وهي اعلى من نسبة جرائم القتل في بريطانيا حيث يقتل 0،03 من اصل 100 الف مواطن. اما في سويسرا حيث يقوم كل الراشدين بالخدمة العسكرية ويملك كل منزل تقريباً قطعة سلاح، لأن سكان سويسرا يعتقدون ان السلاح لا يقتل لكن الناس يقتلون:
فبلغت النسبة هناك 0،52 لكل مئة الف، وهي نسبة مرتفعة 4 مرات اكثر من استراليا. لكن بالمقارنة مع الولايات المتحدة، تبدو معدلات سويسرا منخفضة، اذ بلغت نسبة جرائم القتل بواسطة السلاح هناك 3،59 لكل مئة الف، وهي الاعلى في العالم الصناعي المتطور.
وتبدو استراليا بالمقارنة مع الولايات المتحدة بلد آمن تغيب فيه ثقافة العنف والقتل المسلح.
 جمع السلاح وثقافة التسلح.
وخلال الـ25 سنة الماضية قامت الحكومة الفيدرالية وحكومات الولاية والاقاليم باصدار 38 عفواً عن المواطنين الذين يمتلكون اسلحة. وجرى جمع ما يزيد على مليون قطعة سلاح، وسلم المواطنون 728،667 قطعة مقابل تعويضات مالية.
لكن التشريعات والعفو ومبادرات الحكومة لم تبدل الكثير من الواقع الميداني. ويوجد سببان جوهريان لرغبة الاسترالي باقتناء السلاح وهما:
1 – القطاع الزراعي الشاسع في استراليا وحاجة المواطنين المزارعين الى السلاح لاسباب عديدة عملية تتعلق بنمط حياتهم وحماية منتوجاتهم، خاصة من الحيوانات البرية.
2 – مئات آلاف الاستراليين يهوون رياضة الرماية والصيد الترفيهي وشيوع نوادي الرماة وتنظيم رحلات الصيد الموسمية. وبالامكان زيادة سبب آخر حديث يرتبط بحالة عدم الاستقرار والخوف من التعديات الارهابية، اذ اظهرت ارقام صدرت منذ ايام ان سكان المناطق الثرية، مثل نيوترال باي وبيرمونت ووسط مدينة سدني تشهد اقبالاً لافتاً على شراء الاسلحة وهذه ظاهرة لافتة، في حال جرى تعميم دوافعها  على المجتمع في استراليا.
ومهما تكن الاسباب والدوافع والنسب متفاوتة تبقى الحقيقة الثابتة هي ان انتشار السلاح بين المواطنين يعني ارتفاع نسبة المخاطر وارتفاع عدد الجرائم الناتجة عن استخدام السلاح.
 استيراد السلاح بصفة غير قانونية.
كشف تقرير اعدته هيئة تحقيق بارتباط الجريمة بالاسلحة النارية، ان الارقام التي جمعت من مختلف المؤسسات الامنية تشير بوضوح ان الاسلحة المستخدمة لارتكاب جرائم هي مستوردة بصفة غير قانونية وليست من الاسلحة المرخصة. وتؤكد السيناتورة بردجت ماكنزي ان اغلبية الجرائم المسلحة ترتكب بسلاح غير مرخص.
وتبين من مصادر في الجمارك وفريق حماية الحدود انهم احتجزوا 1737 قطعة سلاح مستوردة دون ترخيص مسبق لها، حاول اناس ادخالها البلاد بصفة غير قانونية، سنة 2013 – 2014.
لكن كارين مارفيلد المديرة العامة لقسم المخابرات في الجمارك وحماية الحدود، اعلنت امام هيئة التحقيق انه يستحيل معرفة عدد الاسلحة المهربة الى الداخل الاسترالي.
ومن جهة اخرى ادعت مفوضية مكافحة الجريمة ان قاعدة البيانات الوطنية حول السلاح تشير ان واحداً بالمئة من الاسلحة التي تنتهي في السوق السوداء تم استيرادها بطريقة غير شرعية.
لكن لم تشر التقارير الى الاسلحة التي تسرق من المنازل او المؤسسات العسكرية، ومنها الاسلحة القتالية المتطورة والتي تنتهي بدورها في السوق السوداء او تستخدم في ارتكاب جرائم منظمة.
غير ان فريق عمل خاص انشئ سنة 2012 للتحقيق في الاسلحة المهربة الى الداخل الاسترالي من خارج البلاد اكتشف انه يجرى استيراد اسلحة بواسطة البريد، تصل قطعاً مفردة يعاد تجميعها بعد استلامها، ومنها مسدسات على شكل اقلام وساعات يدوية.
وكشف الدكتور الباحث في علم الجريمة رودريك برودهارست ، وهو استاذ في جامعة استراليا الوطنية انه يصعب تحديد عدد الاسلحة المستوردة ، ولفت ان التجار يلجأون الى الشبكات الالكترونية «السوداء» مثل Silk Road حيث تزدهر تجارة الاسلحة والمخدرات دولياً. واشار ان العديد من الاسلحة اليوم هي مصنعة من مادة البلاستيك القاسية لا يمكن كشفها بواسطة اشعة X .
والحقيقة الثانية الثابتة هي انه يصعب عملياً تفتيش كل الحاويات المستوردة او اجراء مسح الكتروني لها. وان نسبة الحاويات التي تفتش لا تزيد على 4 او 5 بالمئة. وهذا يعني انه يوجد ثغرات كبرى وفرص سانحة لاستيراد الاسلحة وغير الاسلحة من المواد المحظورة.
وقال، انه بالامكان اليوم تصنيع اية قطعة سلاح محلياً بواسطة آلات التصوير الثلاثية الابعاد 3D Printers.
ويشكك الباحث برودهارست بالارقام الصادرة عن مفوضية مكافحة الجريمة مشيراً ان الارقام التي في حوزتهم لا تعكس حجم الاسلحة المستوردة بصفة غير قانونية.
 حجم الاسلحة غير القانونية
يؤكد معهد علم الجريمة ان الاسلحة التي لم يسلمها المواطنون بعد مجزرة بورت آرثر (حوالي مليوني قطعة سلاح) تعتبر كميات ضخمة ويعتقد ان قسماً كبيراً منها وقع في يد العصابات الاجرامية.
وقدرت هيئة التحقيق في الجريمة في نيو ساوث ويلز ان ما يزيد على 3186 قطعة سلاح استخدمت في جرائم مختلفة في الولاية في سنة 2012.
وكشف تقرير اعدته هيئة مكافحة الجريمة انه يوجد في استراليا 2،75 مليون قطعة سلاح مرخصة في البلاد (سنة 2012) وان 730 الف مواطن لديهم رخص حمل واقتناء الاسلحة.
ويقدّر التقرير انه يوجد في السوق السوداء 250 الف بندقية صيد مزدوجة و10 آلاف بندقية يدوية قصيرة على اقل تعديل. ويؤكد التقرير ان الاسلحة المسروقة تكوّن القسم الاكبر من الاسلحة التي تباع في السوق السوداء.
وتشير الارقام انه جرى الابلاغ عن سرقة 1545 قطعة سلاح بين 2004 و2005 و2008 – 2009 . وعلم ان 3 بالمئة من هذه الاسلحة استخدمت في جرائم خطرة.
 ولاية نيو ساوث ويلز
منذ ايام اعلن النائب في المجلس التشريعي لولاية نيو ساوث ويلز ديفيد شوبريدج انه قلق حيال ظاهرة تفشي السلاح بين المواطنين ، بعد ان شهدت ولاية نيو ساوث ويلز ارتفاعاً لافتاً في عدد البنادق المسجلة، مع ظهور مؤشرات لافتة حول اقبال سكان المناطق الثرية على اقتناء السلاح للمرة الاولى.
واعلن شوبريدج ان الولاية سجلت ارتفاعاً  بنسبة 40 بالمئة منذ سنة 2001 وتساءل حول الدوافع لتكديس الاسلحة المرخصة، خاصة في المدن. ولفت انه من اصل 600 منطقة في ولاية نيو ساوث ويلز يوجد 223 منطقة يفوق فيها الاسلحة المسجلة عدد السكان، وهذا امر مقلق للغاية.
وبدا من الارقام التي نشرت ان مدينة ليفربول في غرب سدني لديها حوالي 5 آلاف رخصة وتأتي في طليعة المناطق المسلحة، تم تليها المناطق التالية:
شسترهيل 4505 ترخيصاً، هوزلي بارك وباكسلي 4239 لكل منها ، وبانكستاون 2200 رخصة سلاح.
حيال هذا الواقع نتساءل مجدداً حول الدوافع الحقيقية لحمل السلاح بصفة قانونية او غير قانونية؟
وهل يتحول المجتمع الاسترالي الى العنف والامن الذاتي ام ان اقتناء السلاح هو مجرد تقليد اجتماعي ثقافي يعكس حقبة تاريخية قديمة من تاريخ البلاد وارثاً ثقافياً نقله المغتربون معهم من الاوطان الأم؟
pierre@eltelegraph.com