الرئاسة… والصدمة الممنوعة

جوني منير

بات الجميع على يقين من أنّ المناخ المطلوب لانطلاق المفاوضات الجدّية حول سوريا أصبح ناضجاً، مع اقتناع الأطراف المتحاربة بوجود قرار جدّي في هذا الإطار.
أبرزُ دليل إلى ذلك بَرز مع الزيارة المثيرة التي قام بها رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو لطهران، بعد أن شكّلت كلّ مِن تركيا وإيران طرفين رئيسيين في الحرب الدائرة على الساحة السورية طوال السنوات الخمس الماضية.
وتناقلت الأوساط الديبلوماسية كثيراً من المعلومات الصادمة حول فحوى هذه الزيارة. فأن تطلبَ أنقرة تعزيز التواصل مع طهران بهدف تنسيق الخطوات لقطع الطريق على النيّة بمنح الأكراد كياناً ذاتياً، ولو ضمن إطار صيغة فيدرالية، فهذه مسألة مفهومة كونها تشكّل تقاطع مصالح بين البلدين اللذين يحتضنان مجموعات كردية تَطمح الى صيغة مشابهة في يوم من الايام.
وأن تبديَ أنقرة أيضاً حساسيتها تجاه مشروع إنشاء قوات ردع إسلامية لجهة الجيوش المشاركة والتي ستتمركز بالقرب من حدودها وفي الوقت نفسِه وسط المنطقة التي باتت تعتبرها طهران منطقة نفوذ سياسية لها، فهو أمر مفهوم أيضاً.
لكن أن يطلب رئيس الوزراء التركي مساعدة السلطات الإيرانية لتحسين علاقتها السيئة مع روسيا، إضافةً إلى الإقرار بأنّ استمرار الحرب في سوريا يؤدي إلى الإضرار بالاستقرار التركي، وبالتالي ضرورة العمل على وقفِها، فإنّ ذلك يُعتبَر صادماً، ويؤدّي الاستنتاج الواضح بأنّ المواجهات في سوريا بلغَت الحدّ الأقصى المسموح به، وأنْ لا مجال للاندفاع أكثر في المغامرة السوريّة.
وربّما ما لم يَجر تداوله كان لصعوبة أقرار تركيا أو مجاهرتها به، ما يتعلّق بالنزاعات الخطيرة الدائرة في الداخل التركي. فعلى رغم كلّ هذا التأييد الذي حظيَ به

الرئيس رجب طيب إردوغان وحزبُه، بقي نفوذ الضباط العلويين، خصوصاً في أجهزة المخابرات، قوياً وفاعلاً، وبَدت المؤسسة العسكرية على خلاف واضح مع سياسة الحكومة.

وفي الوقت الذي يَعتبر كثير من المراقبين أنّ واشنطن تَحظى بعلاقة مميّزة مع الجيش التركي، جاءت النصيحة بضرورة العمل على إقفال كافة الثغرات الخطيرة التي طاولت الجسمَ التركي وأدّت الى اهتزازات أمنية خطيرة إنْ كان على مستوى التفجيرات أو على مستوى الحروب الصغيرة مع المجموعات الكردية.

ولم تكن الليونة مع إيران حول الملف السوري هي الوحيدة من جانب تركيا، بل انسحبَ ذلك ايضاً على العلاقة مع الاتّحاد الاوروبي الذي عانى من غضّ النظر التركي، إن لم يكن المساعدة، في دفعِ المهاجرين غير الشرعيين الى هزّ قلبِ اوروبا. صحيح أنّ تركيا كسبَت مساعدات أوروبية بلغَت ستّة مليارات يورو، لكنّها لم تعُد قادرة على ابتزاز أوروبا أكثر بعد الآن.

في المقابل استمرّت الوفود الاوروبية في التسلل خلسةً وبعيداً من الإعلام إلى دمشق عبر البوّابة اللبنانية، وكان آخرها وفد إيطالي رفيع يضمّ مسؤولين سياسيين وأمنيين يتواصل كالوفود التي سَبقته مع المسؤولين السوريين الكبار. كلّ ذلك سيمهّد لاحقاً وعندما تنضَج المفاوضات لإعادة فتح السفارات الأوروبية في دمشق.

وعدا الإقرار الضمني لدى العواصم الغربية بأنّ الحرب الدائرة في سوريا استنفَدت وظيفتها وأصبحَت تشكّل خطراً كبيراً على المصالح الدولية بعد أن كانت تشكّل في السابق مصلحةً مباشرة لها، ففي ليبيا يستمرّ تنظيم «داعش» في محاولاته لبناء بنية تحتية متينة له مستفيداً من خبرته الغنية في هذا المجال في سوريا والعراق.

والواضح أنّه يسعى إلى تأمين موارد تمويلية من خلال الاقتراب من منابع النفط بعدما اقتصرَت حتى الساعة على المبالغ التي يَجنيها من مسألة تهريب النازحين إلى اوروبا. «داعش» يريد التغلغلَ في مجتمعات الدول المجاورة ويخطّط لاستهداف العمق الأوروبي عبر تأمين ممرّات آمنة تَسمح بنقل السلاح والانتحاريين والتخطيط لعمليات نوعية.

ومن هنا تسعى الدول الاوروبية ومنها إيطاليا الجارة القريبة لليبيا للاستعانة بالمعلومات الغنية والوافرة التي تملكها السلطات السورية عن التنظيم الإرهابي نتيجة التحقيقات التي أجرَتها مع المعتقلين لديها.

وقد يكون لبنان غائباً عن الاهتمام الدولي إلّا بشقّيه الأمني والمالي وسط كلّ هذه الفوضى التي تلفّ المنطقة.

ففي السابق ألحّت العواصم الغربية على ضرورة عودة الرئيس سعد الحريري الى لبنان، لأنّها كانت تخشى أن يؤدي الفراغ الناتج عن هذا الغياب إلى فتح المجال أمام تسلسل المجموعات المتطرفة، لكنّ عودة الحريري اصطدمت باحتدام النزاع بين دول الخليج وحزب الله، ما ألحقَ أذيّة كبرى بعودة الحريري وسط إجراءات خليجية قاسية.

ولأنّ الاستقرارَين الأمني والمالي يشكّلان خطّاً أحمر لدى العواصم الغربية، تواصَلت واشنطن ومعها باريس مع الرياض، في محاولةٍ لمعالجة الأزمة المستجدّة، في وقتٍ شعرَ الحريري بأنه عالقٌ في الوسط ويعاني «تمرّداً» داخل فريقه السياسي و»انشقاقاً» داخل تياره الحزبي، وهو يدرك أنّ ذلك ما كان ليحصلَ لولا وعود بـ»غضّ نظر» خارجي، على الأقلّ.

صحيح أنّ «الهجوم» الخليجي سيستمرّ في اتّجاه حزب الله، لكنّ تعديلات أدخِلت على الخطة، فبدلاً من «القصاص الجماعي» سيتمّ تركيز الهجوم على الحزب من دون سواه من الفئات اللبنانية، وفي الوقت نفسه بدا أنّ واشنطن تلقّت وعداً بإعادة العمل بالهبة العسكرية السعودية للجيش اللبناني ولكن في مرحلة لاحقة. ففي الأساس إنّ الانتهاء من تصنيع السلاح الفرنسي سيأخذ وقتاً لا بأس به، يمتدّ إلى فترة السنتين.

وفي المقابل جدّد الديبلوماسيون الأميركيون نصيحتَهم للمسؤولين اللبنانيين بأنّ استقالة الحكومة تُعتبر خطّاً أحمر، على رغم اعترافهم بوطأة الأحداث والملفات الصعبة المطروحة على كاهل اللبنانيين.

أمّا ملف رئاسة الجمهورية فلا خطوات جدّية حوله، وباتت الأوساط الديبلوماسية على اقتناع باستحالة إنجاز تسوية مع حزب الله تَدفعه الى التخلّي عن العماد ميشال عون لأنّ حسابات الحزب في هذه المرحلة لها علاقة بالتوازنات الدقيقة وبحرصِه على عدم تعريض نفسه للانعزال في زاوية ضيّقة تُفقده الحاضنة الشعبية التي تحميه.

ذلك أنّ الفريق المواجه لحزب الله يَحظى بمساحة شعبية واسعة، أضِف إليها أكثرَ من مليون نازح سوري ومعهم مجموعات من اللاجئين الفلسطينيين يتوزّعون على مخيّماتٍ بعضُها على تماس مباشر مع بيئة حزب الله. ما يعني أنّ خصومةً للحزب مع عون ستَجعله محشوراً في مساحة ضيّقة وسيُتعِب حركته كثيراً.

وفي المقابل سَمعت العواصم الغربية رفضاً سعودياً نهائياً لا رجوع عنه للسير بعون لرئاسة الجمهورية، عازيةً السبب إلى الخشية من سلوكه السياسي وعدم الثقة بضماناته، إضافةً إلى بعض المحيطين الذين سيشكّلون فريقَ عملِه الرئاسي في حال وصولِه.

وقد سَمع الديبلوماسيون الغربيون هذا الكلام بوضوح من مسؤولين خليجيين، ما جعَلهم يستنتجون وفق هذه الحسابات أنّ الاستحقاق الرئاسي سيبقى مجمّداً وبلا أُفق إلّا في حال حصول صدمة كبرى، ولبنان لا يتحمّل الصدمات في وضعه الراهن.