الحياة، تلك الحانة المفتوحة…

بقلم / أحمد وهبي

بعد انكسار ماء اللذائذ، يقع التائقون إليها في مأزق جفاف الكؤوس، حولها، تتدفّقُ الجموع، تُقيمُ طقوسَ المجهول، ينهملُ عنها أدوارٌ مترعةُ الدّموع. في ذلك النحيبِ والعويلِ، فلكلور العادات، رقصاتُ اللائذين لدمِ الربِّ وخبزِ جسدهِ حتّى الثمالة.
حتّى يُسَجّى المسافرون في رحم الأرض، وسيلةُ السفرِ الوحيدة على وجه البسيطة، ولأنهم من عناصرها، تستقبلُ، توَدِّعُ بعين اليقين في الإياب والذهاب، لا ترتجف، لا ترتعب، لا ترفض، مطواعةٌ، رؤوم، تمنحُ الكائنات البهجةَ والحبور، الخيرَ والبركات. الكائنات، تلك الأشجار المتباسقة، المنغرسة الجذور بقدر تسامقها، تطير، تزحف، تدبّ، تجري، تسير بقدمين وأكثر.

حين خانتِ العيونُ، كان يحفظُ الماءَ في عينيه. عند العتباتِ شموعٌ انحنت فوق مَن غطّوا في مكانهم، وقد أفلتَتْ الذاكرات، تجولُ للعثور على مكانها، وقد سُقينا ذات ليلةٍ طويلةِ اللهبِ نبيذ الرعشات. في تلك الكأسِ المفقودةِ حكايةُ البشر، ذلك التابوت وراء نظّارة المُستَكشِف، وبعض المومياواتِ تظلُّ.. تظهرُ عن عمدٍ، تذهب في الساحات بلا سؤال، تقول النصوص.. بأنّهُ حقّها الشرعي. هاك، تعمشّقتْ هياكلُ مديدةُ الزّمانِ وجهَ الأرض، تحتها، لأجلها تفزعُ الأمم. ومن حانةٍ إلى أخرى.. كلّما تحين الفرصة، تُغمَضُ فيها عيون السماء والأرض. ربّما تحوّلاتٌ جيولوجية أفضت إلى هذا الكائن.. يهدمُ فيه عمارات العقل، ويقيم الزنازين…!!

أحاول أن تخرجَ روحي ممتلئةً لنهارٍ جديد، وتعودَ بيضاء. أحاول أن اقبضَ على وجهي في المرآة.. وقد أفلتَ منّي منذ فتىً في مهبِّ الجماجم. أحاول أن أقعَ في كلمةٍ وقعتُ فيها بعدما وقعَتْ في نفسي، والسُبلُ مثل أعشابٍ ضربها اليباس وأجدبت، ولمّا يزل أحدب نوتردام يسعى بروح الشائقِ إلى النّور.
الطريق إلى تلك الحانيةِ على أبنائها، أعودُها لصمودٍ في الزمن. يتراءى فيه النجيعُ ما بين الشروق والغروب، أحمل له صورةً.. تتقصّى المنامات. أصواتٌ.. حين لحِقَتْ بنا، في ذلك الإنصهار، ذابتِ الأفواهُ، الأفكار والرؤى، تأخذ وسنَ السّهوب، لقمحٍ في الكوّارات، لدموعٍ جرَّحَتِ المناديلَ والدفاتر، لأجنحةٍ رقيقةٍ حول قناديل الليل، لأطفالٍ يحتسون ضحكةَ الشّمس، لملحٍ يقعُ عن أمواهِ الأبدان، ليدين من ترابِ ترفعان حِنطةَ القذائف، لاقترافٍ دَبِقِ اللحم، حيث تجري الجهاتُ حتّى تغُصَّ الأرضُ.. وينثالَ الماء، حتّى يهيلَ الرُّكامُ عن بوصلةِ الأرواح. هناك، إلى الأشجار المكسورة مَن يرفع الجذور.
جراحي وهذا الرأس خارج جاذبية الأكفان، ومِداد الحلّاج.. السابق في ما بعد سرَّ التحنيط الفرعوني؛ فقلتُ مشاعرَ مخضّبةَ الرماد، وعين الفريسة في عين الصياد. فوهةٌ مطفأةٌ تستدِّرُ العطفَ. حين تشتعلُ الحياةُ في حانة الوجود، ترحلُ قبائلُ النسيان، تتدلّى عنها الأحسابُ والأنسابُ كعيدانِ قشٍّ يبِسَتْ، حين صيفٌ يرشحُ شرراً، تلتهبُ الأغمادُ بأعواد الحديد، والنيران تخرج من ثقوب المسام، من تثاؤبٍ يجترُّ حليبَ التين، وصور النفوس والذاكرةِ لأسرارها، في مسراها تُشيَّعُ الملاعبُ والعصافير.