الامبراطورية الأسبانية «الجزء الرابع»

أصبح من الضروري بعد انتهاء فترة الغزوات أن تكون هناك إدارة للأراضي الواسعة والمختلفة بمركزية قوية. ومع استحالة إدارة المؤسسات القشتالية ورعاية شؤون العالم الجديد، لذا فقد تم إنشاء مؤسسات أخرى جديدة. وبما أن المحافظة أو المقاطعة هي الكيان السياسي الأساسي، حيث يمارس الحاكم الوظائف الأولية العادية للقضاء، وله صلاحيات التشريع الحكومي من خلال المراسيم. ومع المهام السياسية للحاكم فإنه يمكن أن يشارك في العسكرية وفقا لمتطلباتها برتبة قائد عام. ويشارك مكتب القائد العام بصفته القائد العسكري الاعلى للمقاطعة وهو المسؤول عن تجنيد وتوفير القوات وتحصين المقاطعة وتوريد وبناء السفن.
وفي المكسيك المحتلة حديثا وبدءا من سنة 1522 فإن الجسم الحاكم بإسم الإمبراطورية الإسبانية من نائب الملك إلى حكام الأقاليم، تكون لديها خزانة ملكية تتبع مجموعة من المسؤولين الملكيين (officiales reales). وكانت هناك أيضا مكاتب فرعية لتلك الخزانة في الموانئ الهامة ومناطق التعدين. وتضمن مسؤولي الخزانة الملكية في كل مستوى من مستويات الحكومة عادة من إثنين إلى أربع مراكز: أمين الصندوق (tesorero) وهو مسئول أعلى الذي يدفع ويحرس المال؛ (المحاسب أو المراقب) (contador) ومهمته تسجيل الإيرادات والمدفوعات والحفاظ على السجلات وترجمة التعليمات الملكية. الوكيل (factor) ومهمته حراسة الأسلحة والإمدادات التابعة للملك وتنظيم الجزية التي جمعت في الإقليم. الناظر (veedor) وهو المسؤول عن الاتصالات مع سكان الإقليم الأصليين وجمع حصة الملك من غنائم الحرب. اختفى منصب الناظر من معظم مناصب القضاء، حيث دمجت مع منصب الوكيل. وحسب ظروف السلطة القضائية وقوتها فإن منصب ناظر/وكيل قد يتم التخلص منه.
يعين الملك مسؤولي الخزانة، وهي مستقلة عن سلطة نائب الملك أو رئيس محكمة الاستئناف أو الحاكم. وفي حالة موت الحاكم أو غيابه بدون إذن أو التقاعد أو تغييره، فإن مسؤولي الخزانة سيحكمون المقاطعة سويا حتى يستلم حاكمها الجديد المعين من الملك مهامه، خلالها من المفترض على مسؤولي الخزانة أن يدفعوا من ايرادات المقاطعة. وهم ممنوعون من الانخراط في الأنشطة المدرة للدخل.
يمثل نائب الملك تمثيلا كاملا للملك في الأحوال التي يستحيل وجوده فيها. ومهامه هي: الحاكم والقائد العام ورئيس محكمة الاستئناف ومراقب الخزانة الملكية ونائب راعي الكنيسة. وبذا برزت أقاليم نواب الملك للتأكيد على سلطة الملك في نطاق معين. وتنقسم الأقاليم المنضوية للتاج الأسباني إلى مقاطعات —وتسمى أيضا محافظات— يتولى أمورها الحاكم. وفي القرن 16 انقسمت أقاليم إسبانيا في الأمريكتين إلى إقليمين (viceroyalty) وهما:إسبانيا الجديدة (1535) تتكون من أمريكا الشمالية وجزر الأنتيل والفلبين وفنزويلا، وإقليم بيرو (1542) وتتكون من أمريكا الجنوبية والتي انقسمت في القرن 18.

محكمة الإستئناف

منظر للميدان الرئيسي لمكسيكو سيتي، بريشة كريستوبل دي فيلاألباندو، 1695
شكلت محكمة الإستئناف (Audiencias) بأنها المؤسسة الإدارية الرئيسة بسبب ثقة التاج فيها حيث أنها مستودع للسلطة المحايدة لمواجهة الغزاة والمستوطنين[149]. ووظيفتها الرئيسية هي كونها محكمة قضاء من الدرجة الثانية -محكمة استئناف- في المسائل الجزائية والمدنية، ولكنها أيضا كانت محاكم الدرجة الأولى في المدينة حيث مقرها، بالإضافة إلى الحالات المرتبطة بالخزانة الملكية. بجانب كونها محكمة قضاء فإن مهام محكمة الإستئناف (Audiencias) في الحكومة هو موازنة سلطة نائب الملك، حيث أنها يمكن التواصل مع كل من مجلس الإنديز والملك دون الحاجة إلى طلب ترخيص من نائب الملك. مكن هذا التواصل المباشر مع مجلس الإنديز من أنه قدم إلى Audiencia جميع أنواع التوجيهات حول مظهر الحكومة العام.
حقيقة أن الرؤساء لا يكونوا عادة قضاة ولا محامين، ولكنهم رجال يرتدون السيف والخوذة، مما تسبب في انعدام تمثيلهم في القضايا المعروضة على المحاكم، وأن المحكمة لاتخضع لسلطتهم، ولكنها تخضع في التمثيل إلى الملك. ومن ثم عندما لايكون الرئيس قاضيا فإن سلطته هي الغاء قضية ما بمجرد توقيعه على حكم المحكمة. تسمى محكمة الإستئناف التي يرأسها نائب الملك بإسم محكمة الإستئناف الملكي viceregal Audiencias، ومحكمة الإستئناف التي يرأسها الحاكم والقائد العام بإسم محكمة الإستئناف البريتوريpretorial Audiencias.
بما أن محكمة الإستئناف البريتوري يرأسها الحاكم-القائد العام، فإن هذا الوضع تسبب في ظهور منصب رئيس-حاكم للمقاطعات الرئيسة، وله حكم مباشر على المنطقة وهيمنة على المناطق الأخرى المنضوية داخل المنطقة الإقليمية التابعة للمجلس، بحيث يمارس نفس مهام نائب الملك. وهكذا ظهر تقسيم إداري آخر: ففي حين أن المناطق تحت مسؤولية الحاكم هي مقاطعات صغيرة[158]، فإن نطاق الولاية القضائية لمحاكم الإستئناف تشمل المقاطعات الرئيسية.

قصر نائب الملك السابق ومقر محكمة إستئناف المكسيك. حاليا القصر الوطني

يجتمع أعضاء محكمة إستئناف (oidores) مع الرئيس في لجنة تسمى لجنة الوفاق الملكي لأخذ رأي الحكومة بشأن مراجعة اللوائح وتعيين المفوضين والاحتفاظ بالمقاتلين، وإلا أن الرأي لايطبق على محكمة الإستئناف Audiencia كمؤسسة ولكن على الأعضاء بأنهم أناس ذو سمعة محترمة. تم أنشاء قرارات الوفاق الملكي في آلية رسمية منسقة، ومع ذلك لاتتدخل المحكمة مع نائب الملك أو الحاكم في أمور تخص الحكومة مثل حل القضايا الحكومية. بهذه الطريقة سيطرة نواب الملك على محكمة الإستئناف مكن من هيمنة التاج على مهام حكومة نواب الملك.
وبما أن محكمتي الإستئناف الملكي والبريتوري يرأسها رجال يرتدون السيف والخوذة، فإن رؤساء المحاكم الثانوية هم القضاة، وبذا ففي النطاق القضائي للمحاكم الثانوية فإن مهام الحكومة والخزانة والحرب تعود لنائب الملك. وبذلك لا يوجد الحاكم-القائد العام في تلك المناطق من أقاليم التاج ولكن محاكم استئناف، وقد أعطت الرئاسة لهم اسم مثلتشاركاس وكيتو.
وبالرغم من أن هناك تكدس مكاتب لذات الشخص، وهي مكتب نائب الملك والحاكم والقائد العام ورئيس المحكمة، إلا أن كل منها له نطاق قضائي مختلف. فالنطاق القضائي لمحكمة الإستئناف الملكي حيث نائب الملك هو رئيسها أنهى تداخل مناطق المحاكم الأخرى التي تدخل في نطاق حكم نائب الملك: مثل محكمة الإستئناف البريتوري الذي يرأسه الحاكم-القائد العام الذي له السلطة الإدارية والسياسية والعسكرية، ومثل رئيس المحاكم الثانوية الذي ليست لديه تلك السلطة الإدارية والسياسية والعسكرية. لذلك فإن السلطة المباشرة لإدارة المحافظة حيث عاصمة الإقليم تكون خاضعة لنائب الملك؛ ومع ذلك، فإن مايتعلق ببقية مقاطعات إقليم التاج الإسباني، وفكانت وظيفته هي مجرد الرقابة أو التفتيش العام على إدارة الشؤون السياسية. فعدم الدقة في تحديد صلاحيات نائب الملك وحكام الأقاليم سمح للتاج بالتحكم في القيادة والمسؤولين الكبار.

نهب هنري مورغان لبورتو ديل برنسيب في 1668
أنهى نطاق محكمة إستئناف المكسيك التي يرأسها نائب الملك إقليم إسبانيا الجديدة التداخل في نطاق محاكم الإستئناف الأخرى مثل غواتيمالا (1543–1563; 1568-) ومانيلا (1583–1589; 1595-) وغوادالاخارا (أسست في كومبوستيلا سنة 1548 ثم انتقلت في 1560 إلى غوادالاخارا)وسانتو دومينغو (1526-). وبما أن نائب الملك لأسبانيا الجديدة هو الحاكم فله سلطة قضائية على محافظة أسبانيا الجديدة فقط، وبما أنه القائد العام فإن سلطته لم تضم أي من يوكاتان أو مملكة ليون الجديدة، لكنه يشمل قيادة عسكرية على مقاطعة نوفا غاليسيا، والتي كانت خاضعة للسلطة القضائية لمحكمة غوادالاخارا، حتى سنة 1708 كان من تولى إدارة القيادة العامة هو حاكم مقاطعة نوفا غاليسيا.
أنهى نطاق محكمة إستئناف ليما (1542-) التي يرأسها نائب الملك إقليم بيرو التداخل في نطاق محاكم الإستئناف الأخرى مثل بنما (1538–1543; 1563–1717) وسانتافي دي بوغوتا(1547-) وسانتياغو دي تشيلي (في كونثبثيون بين سنة 1565-1575 ثم سانتياغو دي تشيلي) وبيونس آيرس (1661–1672) والتي يرأسها كلا من الحاكم والقائد العام، إضافة إلى تلك المحكمة فإن مكتب نائب الملك شمل أيضا المحاكم الثانوية لتشاركاس (لابلاتا; 1559-) وكيتو (1563-).

مجالس البلدية

استقر المستوطنين القادمين من إسبانيا في قرى ثم مدن، وتقع الحكومة المحلية ضمن (Cabildos) وهو المجلس المحلي. ويتألف كابيلدو من عدد من أعضاء مجلس محلي (regidores) حوالي اثني عشر اعتمادا على حجم القرية أو المدينة، واثنين من قضاة البلدية (alcaldes menores) وهم قضاة الدرجة الأولى وأيضا مسئولين آخرين مثل قائد الشرطة ومفتش التموين وكاتب محكمة ومبشر وهم من يتول توزيع الأراضي على الجوار وإنشاء الضرائب المحلية والتعامل مع النظام العام وتفتيش السجون والمستشفيات والحفاظ على الطرق والأشغال العامة مثل مصارف الري والجسور والإشراف على الصحة العامة، وتنظيم الأنشطة الاحتفالية، ورصد أسعار السوق وحماية الهنود.
بعد عهد فيليب الثاني كانت مكاتب البلدية بما في ذلك المجالس المحلية قد بيعت بالمزادات العلنية لحاجة التاج للمال، وبيعت حتى المكاتب الحكومية فأضحى ذلك شيئا موروثاً بحيث اضحت حكومة المدن في أيدي الأقلية الحضرية. ولأجل تنظيم الحياة المحلية في البلديات، أمر التاج بتعيين عمد ورؤساء البلديات لممارسة مهام سياسية وقانونية أكبر في المناطق الصغيرة. ووظائفهم هي السيطرة على البلديات المختصة، وإدارة القضاء بحيث يكونون قضاة استئناف في البلديات الصغيرة، ويرأس العمدة المجلس المحلي وهو كابيلدو. وأيضا مع ذلك فقد وضعت كلا الوظيفتين للبيع منذ أواخر القرن 16
إسبانيا البوربون: الإصلاح والمعافاة (1700–1808)

معركة كابو باسيرو, 11 أغسطس 1718.
اعترفت معاهدة أوترخت (11 ابريل 1713) بفيليب دوق أنجو حفيد لويس الرابع عشر ملك إسبانيا لإسرة بوربون (باسم فيليب الخامس)، فقد قررت القوى الأوروبية ماسيكون مصير إسبانيا من حيث التوازن القاري للقوى. وقد أبقوا على مستعمرات إسبانيا الخارجية تحت يده مقابل التنازل عن هولندا الإسبانية ونابولي وميلانووسردينيا إلى النمسا; وصقلية وجزء من ميلانو إلى سافوي; أما جبل طارق ومنورقة إلى بريطانيا. وعلاوة على ذلك، منح فيليب الخامس البريطانيين حقا حصريالتجارة الرقيق في أمريكا الإسبانية لثلاثين سنة وهو مايسمى الأسينتو، بالإضافة إلى الرحلات المرخصة لموانئ المناطق الاستعمارية الإسبانية والثغور كما لاحظ فرناند بروديل المشروعة وغير المشروعة.
تعافى اقتصاد إسبانيا وديموغرافيتها ببطء في العقود الأخيرة من حكم آل هابسبورغ، وكان هذا جليا من زيادة الرحلات التجارية وكذلك النمو السريع والقوي للتجارة غير المشروعة خلال هذه الفترة. (وهذا النمو أبطأ من نمو التجارة غير المشروعة من منافسيها الشماليين في أسواق الإمبراطورية.) والأهم من ذلك لم يترجم هذا الانتعاش في تحسين المؤسسات والسبب هو عدم كفاءة آخر حكام الهابسبورغ. وقد انعكس هذا الإرث من الإهمال في سنوات البوربون الأولى عندما قذف الجيش المتهالك للقتال في حرب التحالف الرباعي (1718-1720). وبعد تلك الحرب اتخذت ملكية البوربون الجديدة نهجا أكثر حذرا في علاقاتها الدولية، واعتمادها على تحالف الأسرة مع بوربون فرنسا، مع الاستمرار في نهج التجديد المؤسسي.

إصلاحات البوربون

بدأ الملك فيليب الخامس الفرنسي الأصل في بداية حكمه بإعادة تنظيم الحكومة لتعزيز سلطته التنفيذية كما هو في فرنسا بدلا من نظام بوليسنودي التداولي للمجالس. وكانت أهم أهداف البوربون الإسبان هو «كسر قوة الكريولو الراسخة (وهم من ولد بالمستعمرات من أصول أوروبية) في مستعمرات أمريكا الإسبانية. وسعوا أيضا إلى السيطرة على غواراني الميسيونيس (حاليا في باراغواي)، وقد استقلت فعليا زمن الآباء اليسوعيين، حتى تم طرد اليسوعيون من أمريكا الإسبانية في 1767. كان الكريولو يسيطرون بقوة على قنصليتي consulados مدينة مكسيكو وليما. لذلك تم وضع قنصلية جديدة في فيراكروز.
باشرت حكومة الملك فيليب على الفور بإنشاء وزارتي البحرية والأنديز (1714)، وأسس شركة هندوراس (1714) وشركة كراكاس وهي شركة غويبوزكون (1728) ثم الشركة الأكثر نجاحا الشركة هافانا (1740). ثم في سنة 1717-1718 نقل مباني مجلس الإنديز وغرفة التجارة الإسبانية الذي يتحكم في استثمارات أساطيل المال الإسبانية من إشبيلية إلى قادس. بحيث أصبحت قادس المنفذ الوحيد لكافة عمليات الإنديز التجارية. كانت إبحارات الفردية المنتظمة زمنيا بطيئة لإستبدال القوافل المسلحة، ولكن بحلول عقد 1760 أضحت هناك مجاميع من السفن العادية التي تبحر في المحيط الأطلسي من قادس إلى هافانا وبورتوريكو وحتى إلى ريو دي لا بلاتا ذات المدى الأبعد، حيث انشئ إقليم إضافي تابع للتاج الأسباني سنة 1776. فتراجعت تجارة السلع المهربة التي كانت شريان الحياة لإمبراطورية هابسبورغ نسبة إلى سفن الشحن المسجلة (بعد إنشاء سجل الشحن في 1735).
أفضت اثنتين من الاضطرابات المسجلة إلى القلق في أمريكا الإسبانية وفي الوقت نفسه أثبت التحديث المرونة للنظام المحسن: ثورة توباك أمارو في البيرو سنة 1780 وتمرد أهالي غرناطة الجديدة فردة الفعل كانت التشديد ورقابة أكثر كفاءة.

ازدهار القرن 18

قلعة سان فيليب دي باراخاس قرطاجنة (كولومبيا)حيث هزم الإسبان المهاجمين الإنجليز سنة 1741 فيمعركة قرطاجنة الإنديز.
كان القرن 18 هو فترة ازدهار لإمبراطورية الإستعمارية الإسبانية حيث نمت التجارة بشكل مطرد خلال تلك الفترة خاصة في النصف الثاني من القرن، في ظل إصلاحات بوربون. فانتصار إسبانيا الحاسم في معركة قرطاجنة ضد هجوم أسطول بريطانيا الواسع على ميناء قرطاجنة في البحر الكاريبي حيث عدت إحدى المعارك الناجحة قد ساعد إسبانيا في تأمين هيمنتها على أمريكا حتى القرن 19.
فتجمع البحرية البريطانية هو أكبر تجمع للسفن في التاريخ بعد تجمع إنزال النورماندي وأنها تجاوزت بأكثر من 60 سفينة عن سفن إسطول أرمادا الإسباني زمن فيليب الثاني. فهزم الأدميرال بلاس دي ليزو [الإنجليزية] الأسطول البريطاني المكون من 195 سفينة و32,000 جندي و3,000 قطعة مدفعية. عد انتصار الإسبان في تلك المعركة من أفضل الإنتصارات على محاولات بريطانيا السيطرة على أمريكا الإسبانية، وإن كانت هناك انتصارات عديدة ساعدت إسبانيا على توطيد حكمها في الأمريكتين حتى القرن 19.
مع وصول آل بوربون إلى تاج إسبانيا تمركزت أفكار المذهب الإتجارية في أس الدولة المركزية ودخلت حيز التنفيذ ببطء في أمريكا ولكن مع زيادة الزخم خلال هذا القرن نما النقل البحري بسرعة من منتصف عقد 1740 حتى حرب السنوات السبع (1756-1763)، والتي عكست نوعا ما نجاح البوربون بالسيطرة على التجارة غير المشروعة. مع تخفيف الضوابط التجارية بعد حرب السنوات السبع، بدأت تجارة الشحن داخل الإمبراطورية بالتوسع مرة أخرى حتى وصلت إلى معدل رائع من النمو في عقد 1780.
مع انتهاء احتكار قادس التجارة مع أمريكا بدأت ولادة جديدة من الصناعة الإسبانية. وأبرزها صناعة الغزل والنسيج التي نمت بسرعة في كتالونيا حيث شهدت في منتصف عقد 1780 أول علامات الدولة الصناعية. وشهد بزوغ طبقة صغيرة سياسية وناشطة اقتصاديا في برشلونة. وقف هذا الجيب ذو التنمية الاقتصادية المتقدمة منعزلا في تناقض صارخ مع التخلف النسبي في معظم أنحاء البلاد. وكان التطور موجودا في المدن الساحلية الكبرى وماحولها وفي الجزر الكبرى مثل كوبا حيث تحديث المزارع وتنامي استخراج المعادن الثمينة في أمريكا. ومن ناحية أخرى فإن معظم سكان الريف الأسباني وإمبراطوريتها يعيشون في ظروف متخلفة نسبيا بالمعايير الأوروبية الغربية في القرن 18 حيث العادات القديمة والمنعزلة قوية بينهم. وظلت الإنتاجية الزراعية ضعيفة بالرغم من الجهود المبذولة لإدخال تقنيات جديدة إلى الجزء الأكبر الذي لم يكن مهتما وهم الفلاحين المستغلين والجماعات الكادحة. ولم تكن الحكومات متناسقة في سياساتها. وإن كانت هناك تحسينات كبيرة مع أواخر القرن 18 لكن لاتزال إسبانيا مهمشة اقتصاديا. في إطار تنظيمات الإتجارية فأنه وجد صعوبة في توفير السلع التى يطالب بها الأسواق التي شهدت نموا كبيرا في إمبراطوريتها، وأيضا توفير منافذ كافية للتجارة العائدة.
ومن وجهة نظر متعارضة ووفقا للتخلف المذكور أعلاه فإن عالم الطبيعة والمستكشف الألماني ألكسندر فون هومبولت سافر إلى جميع أرجاء أمريكا الإسبانية، حيث استكشف ووصف ذلك لأول مرة من وجهة نظر علمية حديثة بين 1799-1804. فقد ذكر في كتابه (1811) أن الهنود في إسبانيا الجديدة عاشوا في ظروف أفضل من أي فلاح روسي أو ألماني في أوروبا. وأضاف هومبولت: وبالرغم من أن المزارعين الهنود كانوا فقراء إلا أنهم وتحت الحكم الإسباني كانوا احرارا وأن العبودية لم تكن موجودة، وكانت أحوالهم أفضل بكثير من أي فلاح أو مزارع في شمال أوروبا المتقدمة.
كما نشر هومبولت تحليلا يظهر فيه استهلاك الخبز واللحوم في إسبانيا الجديدة (المكسيك) مقارنة بالمدن الأخرى في أوروبا مثل باريس. فإن الشخص الواحد في مدينة المكسيك يستهلك 189 رطل من اللحوم في السنة مقارنة مع 163 رطل يستهلكها القاطن في باريس، ويستهلك المكسيكيين أيضا تقريبا نفس كمية الخبز مثل أي مدينة أوروبية.

تمدد الإمبراطورية

استيلاء الجيش الأسباني على بينساكولاالبريطانية في 1781. حيث أعادت معاهدة باريسسنة 1783 جميع فلوريدا إلى إسبانيا لترجع إلىالبهاماس.
أتت إصلاحات البوربون المؤسساتية ثمارها عسكريا عندما استعادت القوات الإسبانية نابولي وصقلية من النمساويين في 1734 خلال حرب الخلافة البولندية، وأحبطت في حرب أذن جنكينز «(1739-1742) الجهود البريطانية للاستيلاء على مدن استراتيجية من قرطاجنة وسانتياغو دي كوبا بسحق الجيش البريطاني وإسطوله الضخم بقيادة إدوارد فيرنونفانتهت طموحات بريطانيا في بر أمريكا الإسبانية. ومع أن اسبانيا تعرضت لهزيمة أثناء غزو البرتغال [الإنجليزية] وخسرت مناطق لها لصالح القوات البريطانية في نهاية حرب السنوات السبع (1756-1763)، إلا أنها تعافت بسرعة واستولت على قاعدة للبحرية البريطانية في الباهاما خلال الحرب الثورية الأمريكية [الإنجليزية] (1775-1783).
ساهمت اسبانيا إلى جانب فرنسا في استقلال المستعمرات الثلاث عشرة عن بريطانيا. وبالرغم من أن تدخل اسبانيا كان حاسما في الثورة الأمريكية إلا أن فرنسا نالت كل المجد. فتحالف اسبانيا وفرنسا كان بسبب الإتفاق أسرة البوربون لكلا البلدين ضد بريطانيا. وقد اتخذ حاكم لويزيانا (أسبانيا الجديدة) الاسباني برناردو دي غالفيز سياسة معادية لبريطانيا بسبب هجماتها العديدة للسيطرة على خيرات الإمبراطورية الإسبانية منذ أكثر من قرن من الزمان، فساهم بتدابير تمنع تهريب بريطانيا في البحر الكاريبي.
وفوق ذلك شجع على التجارة مع فرنسا. وبأمر ملكي من كارلوس الثالث استمر دي غالفيز بمساعدة المتمردين الأمريكيين[194]. فحين حاصرت القوات البريطانية موانئ المستعمرات الثلاث عشرة، وكان البديل الفعال للثوار هو الطريق من نيو اورليانز حتى نهر المسيسيبي. وازداد الدعم والتمويل بقوة خلال الحرب الثورية الأمريكية بدءا من