الأمراض النفسية الجسمية

أولا: مفهوم الأمراض النفسية الجسمية.
يعدّ الطب النَّفْسَجِسْمِيّ فرعاً من فورع الطب النفسي الذي يهتم بدراسة الأمراض النفسية الجسمية أو الأمراض النفسجسمية (السيكوسوماتية) وهي أمراض تؤثر فيها العوامل الذهنية والنفسية والباطنية للمريض تأثيراً كبيرا في نشوئها وتطورها إلى أن تصل إلى مرض عضال قد يصعب علاجه من قِبَلِ الأطباء المتخصصين،
مثل: الصداع النصفي، وقرحة المعدة والقولون العصبي وارتفاع ضغط الدم …إلخ، وفي حالة إجراء فحص طبي، لا يظهر لهذه الأمراض أي أسباب جسمية أو عضوية، أو في حال حدوث مرض ناتج عن حالة عاطفية أو مزاجية مثل الغضب أو القلق أو الكبت أو الشعور بالذنب، في هذه الحالة تعد مثل هذه الحالات أمراضاً نفسية جسمية. و تختلف الأمراض السيكوسوماتية عن هستيريا التحولية في أن الهستيريا التحولية لا تتضمن خلل عضوي حقيقي، حيث يكون العضو سليم ولكنه غير قادراً على القيام بوظيفته، بينما في الأمراض السيكوسوماتية فإن العوامل الانفعالية والنفسية تؤدي إلى حدوث خلل في التكوين التشريحي للعضو المصاب مثل حالات قرحة المعدة أو التهاب المفاصل..ألخ.
تاريخ الأمراض السيكوسوماتية والنظريات المفسرة لها والأهداف
نشأة الأمراض السيكوسوماتية :
النظرة البدائية :
بدأت الأمراض النفسية الجسمية ليس مع ظهور الإنسان وإنما بدءا من احتكاك الإنسان مع البيئة والتفاعل معها بما يؤثر فيه بالسلب، فالأمراض النفسية والعقلية قديمة قدم الإنسان، فمنذ حوالي 300 سنة قبل الميلاد كان الاعتقاد السائد أن كل الأمراض تسببها قوى خارجية تصيب الانسان مثل مس الجن وتأثير الأرواح الشريرة أو ارتكاب الإنسان لخطية ما يعاقبه عليها إله الكون. وكان يتم عزل المريض النفسي حتى لا يؤذى نفسه أو الآخرين.
وبما أنه آنذاك كان الاعتقاد في المرض النفسسي على أنه مسّ شيطاني أو سحر أو ما شابه، بالتالي كان العلاج أيضاً خرافي ليتناسب والاعتقاد بالسحر والشعوذة، مثل احداث ثقب بالجسد حتى يخرج منه الروح الشرير.
وبتقدم الحضارتان «اليونانية والرومانية» في فترة مابين 500 قبل الميلاد و 200 بعد الميلاد أي بعد 700 عام ظهرت أفكار أخرى لتُرجع أسباب الأمراض النفسية إلى إضطراب المخ والخلل العقلي، ثم ظهر بعد ذلك العلم الجديد الذي نادى بأن المخ هو الذي يرتكز فيه النشاط العقلي المعرفي.
فالعلم يؤكد أن المرض العقلي هو نتيجة إصابة في المخ والوراثة وبالتالي ظهرت نظرية تتعلق بتصنيفات الطبع الدموي والبلغمي والصفراوي والسوداوي كما أشار العلم إلى أن الاضطراب فيها يؤدي إلى المرض بوجه عام.
أما في العصور الوسطى عادت الأفكار البدائية للظهور مرة أخرى وكذا العلاج الخرافي والسحر، واستمر هذا الاعتقاد حتى منتصف القرن الثامن عشر في أوربا، فالإنسان المريض كان يثير الخوف والقلق مما يتحتم عليهم ربطه بالسلاسل وعزله في المؤسسات من أجل الوقاية.
تطور الطب النفسجسدي :
منذ نهاية القرن 19 وبداية القرن20 شرعت نظريتان في توضيح دور الانفعال في نشأة بعض الأمراض الأولى هي النظرية التحليلية والثانية هي نظرية الضغط وذلك دون أن تلتقيا في تفسير متكامل.
وفي الثلاثنيات ظهر اهتمام جديد ركز على بنية الشخصية وتأثيرها على نوع الإصابة وتم وصف المدرج الذي يؤدي بالصراعات المكمونة إلى الإصابة العضوية وبالنسبة لها أن السبب لا يكون دائما نفسي بل قد يتعداه إلى أن يكون خارجي كهشاشة الجسم وذلك ما يؤهله إلى الإصابة بالمرض النفسجسمي أو النفسجسدي.
وقد أرجأ بعض علماء النفس الإصابة بالأمراض النفسجسدية إلى ثلاثة عوامل:
هشاشة البنية النفسية والصراعات وأيضاً الظروف التي تثير الانفعال.
كما أثبتت الدراسات أن الضغوط النفسية قد تتسبب في حدوث الأمراض الجسمية.
العلاقة بين الانفعالات والأمراض الجسمية :
تؤكد الدراسات النفسية أن الانفعالات هي حالة جسمية نفسية ثائرة أي حالات شعورية تقترن باضطرابات فسيولوجية جسمية مختلفة، فالكبت النفسي عبارة عن طاقات عصبية مكبوتة لا بُدّ من التعبير عنها بمجرد حدوثها وإلا يتسبب هذا في كبت المشاعر التي تؤدي بالتبعية إلى الانعكاس على الأعضاء الجسدية مما يؤثر بالسلب عليها فتنتج الأمراض الجسدية وتبدأ الأعرض الظاهرة جسديا ولكن عند العلاج نجد أنه ليس من علاج نافع فعال، والسبب هو استمرار وجود المثير الذي تسبب أصلاً في ظهور الأمراض الجسدية.
باختصار يمكننا القول بأن الأمراض النفسجسمية هي عبارة عن أمراض نفسية باطنية مكبوتة مترجمة في أمراض جسدية ظاهرة.
فإن أصيب الشخص باكتئاب نفسي نتيجة عدم انطلاق رد الفعل في سلوك خارجي بالقول أو الفعل كأن امتنع عن الهروب في حالة الخوف أو الدفاع في حالة الغضب تزيد عندئذ التراكمات النفسية، فإن استمرت الأسباب المثيرة للانفعالات واضطر الفرد إلى كبتها تحولت هذه الاضطرابات إلى أزمات قد تؤدي في نهاية المطاف إلى أمراض جسمية كارتفاع ضغط الدم أو الربو أو الذبحة الصدرية أو السكري إلى غيرها من الأمراض الجسمية نفسية المنشأ. وبتعبير آخر فإن الجسم يعتبر وسيلة تعبيرية للانفعالات التي قُمعت ولم تُصرف في طريقها الصحيح وبالتالي يكون الجسم ضحية لتلك الانفعالات. فمثلا المصابين بضغط الدم في غالب الأحيان السبب لا يكون عضوي وانما ناتج عن تلك الانفعالات الجوهرية كالميل إلى العدوان والحقد أو عدم الانتقام من المُسيئين أو الخوف على شغص أو الغيرة المتأججة، فهم لم يجدوا لهذه الانفعالات مخرجا غير الجسم لكن لوحظ أنه سرعان ما تتاح لهم الفرصة للتعبير عن انفعالاتهم تتحسن حالاتهم وذلك خلال جلسات التحليل النفسي أو حين يتعلمون طرقا أفضل للتعبير عن انفعالاتهم.
الباب الأول
التعرف على الأمراض السيكوسوماتية
والنظريات المحللة لها
التعريف :
الأمراض السيكوسوماتية هي أكثر انتشارا في هذا العصر ويطلق عليها عدة اصطلاحات أخرى. منها:النفسجسمية, النفسبدنية, النفسفسيولوجية النفسفيزيقية أو الأمراض جسمية الشكل.
ترجع تعريفات الأمراض النفسية الجسمية إلى العصر اليوناني، لأن اليونانيون هم أول من اهتموا بالجانب النفسي المؤثر على الصحة الجسدية العامة.
فالجانب النفسي يؤثر على صحة الجسم وليس هذا اكتشاف حديث بل هو مكرر في كل المطبوعات من العهد اليوناني إلى الآن.
وكما ذكرنا سابقا أنها ترجع إلى اللغة اليونانية وهي مكونة من مقطعين أو وحدتين وهما psycho ومعناها النفس soma وهي الجسد وفي مجملها نفسجسدية.
الاضطرابات السيكوسوماتية هي تلك الاضطرابات الجسمية المصحوبة باضطراب وظيفي أو تلف عضوي ذا المنشأ النفسي وبمعنى آخر هي تلك الاضطرابات النفسية التي تؤثر على جسم الانسان فتنقص مناعته فيصاب بأمراض جسمية كالاصابة بالقرحة المعدية والربو والضغط العالي وتضخم الكبد وأمراض القلب والذبحة الصدرية…إلخ وهذه الأمراض التي تصيب البدن هي ناتجة عن تأثيرات نفسية.
1- الاصابة العضوية: نجد أن العضو قد أصيب بمرض مثلا القرحة المعدية وهذا ما يستدعي علاج طبي لعلاج العضو المصاب وعلاج نفسي لتجنب إعادة اصابة العضو.
2- المرض الوظيفي: هو عبارة عن اختلال وظيفة الجهاز أي أن الجهاز سليم ولكن لم يقم بدوره كالعمى الهستيري أو الشلل المؤقت أو ما يُسمى بـ «السكري النفسي».
وفي هذه الحالة يكون العلاج النفسي أولى من العلاج الطبي وذلك لأن العضو سليم ولكن -كما يقول الأطباء النفسيين- عند إزالة المثير يتم حلّ المشكلة.
النظرية الفيسيولوجية:
ترتكز هذه النظرية في تفسير الأضطرابات على الأساس الفيسيولوجي البحت دون تدخل العوامل المتعلقة بفردية الشخص وهيء تشير إلى أن ردود الفعل الجسمية هي من الداخل، ومن أسهموا في تفسير النظرية الفسيولوجية:
1- كانون kanon : تعد التجربة التي مر بها كانون من أهم التجارب التي ساهمت في هذا التفسير حيث تعرض لحادثة سببت له خوفاً كبيراً من الموت وهذا الخوف كما لاحظه أدى به إلى الإصابة بارتعاش في أطرافه.
من هنا أثبت كانون أن تعرض الإنسان للمواقف الإنفعالية من شأنه أن يؤدي لإطلاق جسده كميات من الأدرينالين التي من شأنها ذلك عمل تغيرات جسدية.
وأثبت أن التغيرات القابلة للإستمرار لأحداث ردود فعل تعويضية بل هي قابلة لأحداث إضطرابات وظيفية قابلة للتحول إلى أمراض و إصابات عضوية غير قابلة للتراجع وذلك في حال عدم تفريغ طاقة الإنفعالات في فعل او افعال تواجه الإثارات المتسببة بإحداث إنفعالات.
ومن الذين عارضوا كانون باليز الذي أثبت أن مركز الانفعلات ليست المناطق العصبية وإنما خلية الهيبوثلاموص المتمركزة في المخ.
– نظرية sely :
إن تعبير الضغط النفسي stress لا يعود إلى أكثر من أربعين سنة عندما أطلقه العالم sely عقب دراسته لتأثير هذه الضغوط على الحيوان.
وقام بتحديد ردود الفعل الجسدية كما يلي:
– تضخم القشرة الكظرية
– نزيف المعدة وتراجع الأنسجة اللمفاوية والارتجاع المريئي.
توصل سيلي إلى اطلاق نظرية «التكيف» وفيها يقسم ردة الفعل الجسدية إلى ثلاثة مراحل هي:
– المرحلة الأولى: الاستعداد: وهي بدورها مقسمة إلى فترتين.
الأولى هي فترة الصدمة المتمثلة بإنذار الجسد للتصدي لعوامل الضغوط النفسية عن طريق ردود الفعل الفيسيولوجية (اطلاق الهرمونات الكظرية بهدف تعزيز مقاومة الجسم).
الثانية فهي فترة الصدمة المضادة فهي تظهر في حال استمرار عوامل الشدة وتتجلى بانخفاض ردود الفعل الفيسيولوجية عنها في الحالة العادية وعندها تبدأ المرحلة الثانية.
– المرحلة الثانية: المقاومة: وتتجلى بقيام عوامل الدفاع بدورها في مواجهة عوامل الشدة مما يقتضي تعبأة كافة قدرات الجسم.
– المرحلة الثالة: الاستنفاذ: وعندها يستنفز الجسم قدراته على مقاومة الضغوط النفسية ويفقد القدرة على التكيف مع هذه الضغوط. مما يجعل الجسم عاجزا عن التفاعل أو حتى إعطاء الجواب على هذه المثيرات. وقد تؤدي هذه المرحلة إلى الموت في حال استمرارها.
قام سيلي بتصنيف عوامل الشدة على النحو التالي:
– العوامل الجسدية: الحوادث. الآلام. الجروح والبرد……الخ
– العوامل النفسية: القلق المخاوف الوحدة الارهاق الفكري…الخ
– العوامل الاجتماعية: المشاكل المهنية الظروف الحياتية الخلافات العائلية العزلة الاجتماعية……..الخ
اهتمت النظرية الفيسيولوجية بالجانب العضوي وهي تفسر الاضطرابات على أساس تلف في الدماغ أو إصابة خارجية (ميكروبات أو فيروسات). أو اضطرابات كيمائية.
وعلى هذا الأساس أهملت الجانب النفسي وتأثيره على الجسم في تلقي الاصابة وأيضا أهملت الجانب السلوكي في تعلم استجابة معينة. لكن بالرغم من ذلك ساهمت هذه النظرية في تفسير أسباب الاضطرابات.
النظرية التحليلية:
تعتمد هذه النظرية في تحديد أسباب الاضطرابات السيكوسوماتية على خبرات الطفولة الأولى والصراعات الانفعالية اللاشعورية وذلك حسب نوع كل اضطراب.
– يعتبر ألكسندر alexander واضع أسس مدرسة السيكوماتيك، وقد حاول التوفيق بنظرة دينامية مرتكزة على الصراع خاصة الصراع اللاواعي فهو يرى أن جوهر الصراع يكمن في وعي المريض وفي أنماط الصراعات الكامنة للمريض وأيضا في آلياته الدفاعية التي يستخدمها الأنا للدفاع.
وقد افترض ألكسندر أن لبعض الصراعات خاصية التأثير على أعضاء معينة فالخوف والغضب ينعكسان غالبا على صعيد القلب والأوعية في حين أن مشاعر التبعية والحاجة للحماية ينعكسان غالبا على صعيد الجهاز الهضمي.
قام ألكسندر بالتمييز بين الاضطرابات الهستيرية والعصاب العضوي وذلك حسب نوعية ودرجة الانفعال والصراع فيقول أن الهستيريا هي إضطراب نفسي بحت في حين تنعكس على الأعضاء، أي أن الهستيريا هي تجسد صراعات لاشعورية في اصابة عضوية ويصبح هنا الجسم كوسيلة تعبير عن هذه الصراعات.
أما الصراعات المكبوتة فهي تتجلى باضطرابات عصبية تلقائية وتحث العصاب العضوي الذي يمكن أن يتحول إلى مرض عضوي حقيقي.
وبهذا يمكننا القول بأن ألكسندر هو أول مطبقي التحليل النفسي في مجال السيكوسوماتيك.
من اسهامات ألكسندر إلى العالم الأوروبي nacht صاحب كتاب «الشفاء مع فرويد» الذي يدعو لاستخدام المبادئ الفرويدية في العلاج الطبي منها: التوحيد بين النفس والجسد. طرح ناتش نظرية طبية تحليلية مفادها أن الطاقة النفسية(التي شرحها فرويد) تجد تصريفها في واحد من طريقين إما عن طريق التجسيد وبالتالي احداثها للاضطرابات الجسدية الوظيفية أو عن طريق الجهاز التنفسي وهذه الطاقة النفسية تضغط على الشخص لتجد تصريفها عن طريق الفعل action هذا الفعل كثيرا ما يؤدي إلى تفتيت الطاقة إلى مجموعة من الشاحنات الصغيرة ولم يهمل امكانيات تأثير الصراعات الطفولية والتثبيتات.
يعتبر ناتش من الأوائل حيث وضع فرضية ضعف الأنا وفرق بين الاصابات نفسجسدية والهستيريا وقال أن الهستيريا هي لفت الأنظار أما الاضطراب البسيكوسوماتي فهو ردة فعل جسدية ناتجة عن الانفعال.
دانبر dunbar : اهتمت فلاندرز في تفسير نشأة الأمراض البسيكوسوماتية بدراسة علاقتها ودراسة العلاقة بين الجسم والعقل في كتابها»العقل والجسم» كانت دانبر طبيبة مثل ألكسندر وابتعت منهجا يشبه منهج ألكسندر إلا أنها بدل التركيز على صراع واحد ركزت على مقياس يضم الشخصية أو كما أسمته «برفيل الأشخاص المرضى» مثلا الشخصية القرحية والشخصية ذات الضغط المرتفع…. وقالت أن ما يساهم في نشأة المرض عوامل عديدة منها الانفعالية الفيزيقية والتاريخية. قامت دانبر بوصف شخصية مريض الدم المرتفع وذلك بأنه:
1- لا بد وأن حالة من حالات أمراض القلب كانت توجد في أسرته ولابد أنه عانى من حالة وفاة لشخص عزيز في فترة كان فيها مستعدا للاصابة.
2- لا بد أنه كان شخصا عصبيا وكان يكبت عصبيته ويقمع انفعالاته.
3- لا بد وأن له سجلا من الأمراض السابقة كالعمليات الجراحية مثلا.
4- لا بد وأن والديه كانا يميلان إلى الشدة والصرامة.