اذكروا حسنات رؤسائكم وسيئاتهم

سركيس نعوم

العسكري الثالث الذي تصرّف كرئيس غير رسمي للجمهورية منذ عيَّنه الرئيس أمين الجميل، في 23 كانون الأول 1988 رئيساً لحكومة انتقالية عسكرية بعد تعذُّر انتخاب خلف له هو العماد ميشال عون قائد الجيش. مهمته وفقاً للدستور كانت العمل لانتخاب رئيس جديد. لكن فقدانه نصف حكومته فور صدور مراسيمها جعل إنجاز المهمة صعباً. ذلك أن حكومة الرئيس سليم الحص الشرعية في حينه استمرت في السلطة في المناطق «الغربية». وشُكِّل لها جيش. وبذلك صار للبنان جيشان، واحد يعتمد على الجيش السوري، وآخر على وزارة الدفاع وأجهزتها كما الأسلحة والمعدات، وعزَّز ما عنده بمساعدات عسكرية من عراق صدام حسين وربما من الفلسطينيين.
إلا أن ذلك كله لم يكن السبب الوحيد لعدم ملء حكومة عون الشغور في رئاسة الجمهورية. إذ واكبه سبب آخر أهم منه هو طموحه إلى السلطة والرئاسة الذي سيطر عليه ولا يزال. ومن أجل تحقيقه تعامل مع الميليشيات المسيحية يوم كان ضابطاً ووُعِد بقيادة الجيش في حال صار الشيخ بشير الجميل رئيساً. وحاول في قيادة الجيش الانفتاح على أطراف متنوعين أولاً من أجل تسهيل قيامه بعمله العسكري، وثانياً من أجل فتح طريق الرئاسة أمامه. ثم بدأ خلافه مع «القوات اللبنانية». ومن أجل تحقيقه أيضاً تصالح مع الدكتور سمير جعجع قائد الأخيرة بعد إعلان المبعوث الأميركي مورفي في أعقاب زيارة الرئيس حافظ الأسد إما مخايل الضاهر رئيساً وإما الفوضى. كما أنه غطّى الاجتماع الرافض نصيحة أميركا والأسد ومخايل الضاهر رئيساً الذي عقد في بكركي وضم إلى سيدها صفير قادة مسيحيون كبار. ومن أجل تحقيقه أخيراً شن بعد ترؤسه الحكومة الانتقالية حربه على «القوات» اعتقاداً منه أن ذلك يقرِّب المسلمين منه والسوريين، فنجحت في تدمير «الشرقية» وفي التمهيد لهزيمتها عام 1990. وكان شنّ «حرب تحرير» فاشلة على سوريا. وفي أثناء «رئاسته الانتقالية» التي استمرت نحو سنتين تطوَّع أصدقاء له حلفاء لسوريا لإقامة علاقة جيدة بينهما تحقّق طموحاتهما معاً. لكنهم فشلوا لأن الأسد السوري كان «يتكتك» على الجميع ويستعد لاستغلال أي مناسبة لاستكمال سيطرته على لبنان كله بموافقة عربية ودولية.
بقية القصة معروفة. غادر «الجنرال» إلى فرنسا منفياً واستمر ناقماً على سوريا. ثم رتّب منذ أواخر عام 2004 عودته إلى لبنان ولكن بموافقة سوريا وحليفها الرئيس لحود. وعاد ثم اختلف مع حلفائه الطبيعيين أي 14 آذار واتفق مع «حزب الله» و8 آذار وراعية الجميع سوريا. والهدف الأساسي من ذلك كان الرئاسة ولا يزال. لكن مثلما تسبَّب تمسّكه بالسلطة في هزيمة المسيحيين في حرب الـ15 سنة فإنه سيتسبّب على الأرجح في إنهاء الطائف و»فوائده» المسيحية رغم ثُغره، وفي البحث عن صيغة جديدة تربط مصيرهم في أحسن الأحوال بـ»شعوب» لبنانية أخرى وتدفعهم في أسوئها إلى الهجرة. طبعاً لا يعني ذلك أنه المسؤول الوحيد عن ذلك كله. فالقيادات المسيحية السياسية والدينية اشتركت معه في رفض الضاهر الذي أوصل إلى الهزيمة، والتي منها أيّدت الطائف، وكانت محقة، أخطأت في التعامل معه. إذ من جهة اعتبرت أنه يجعلها ممثلة وحيدة للمسيحيين في السلطة فدفعت ثمن ذلك، ومن جهة أخرى قاطعت الإنتخابات فعمّ الفراغ المسيحي في الإدارة والسياسة، وملأه الهاجمون للسيطرة على الدولة من داخل وخارج فتكرّس بذلك تقلُّص دورهم.
أما الحكم العسكري في لبنان فمستحيل قيامه بسبب الانقسامات الطائفية الحادة. فالجيش يضم جنوداً مواطنين من مختلف الطوائف، وتناحرها الدائم لا يسمح لأحد داخل الجيش بالانقلاب على الدولة المدنية اسماً وحكمها. إلاّ إذا حكم فريق منها أولاً الجيش ولاحقاً الدولة. ونجاح ذلك صار مشكوكاً فيه بعد فشل تجارب مماثلة في دول مجاورة رغم استمرارها عقوداً.
في النهاية لا يعني الكلام عن العسكريين والسلطة إعفاء رؤساء الجمهورية المدنيين والسياسيين من مسؤولية تردّي الأوضاع في لبنان. هذا أمر يُجمع عليه اللبنانيون. ويجب أن يتجرّأ المؤرخون على تناول ذلك بتجرُّد. فما يعوق كتابة التاريخ اللبناني الموحَّد هو إيمان اللبنانيين بالقول المأثور: «اذكروا حسنات موتاكم وكفّوا عن مساوئهم». وبقول آخر اخترعوه هو: بالغوا بحسنات رؤسائكم الأحياء والأموات وانسوا سيئاتهم.