اختفاء أبراج الحظّ

أحمد وهبي

رغم اختفاء الخيالاتِ في وضح النهار، هناك، عابرون متحدّرون من جذورٍ مختلفة المشارب. ورعاة الغيوم، يجمعون عنها أثوابَ المطر. عند نقطةٍ قديمةٍ اجتمعوا حولها لأجل قيامِ عالمٍ آخر.. عالمٍ غير مُسَطَّحِ المفاهيم، يُعتمدُ فيه سردية تقوم على كينونة الإنسان، على خصوصية الاحترام وليس الإحتراب.
الإنسان لذاته، صار أقصى الأماني؛ وقد وقعت البشرية في مأزقها الوجوديّ، وقعت بين وجهين مختلفين لرأسٍ واحد، والأسئلة العامة تقع في خانة التأليه السطحي، هل الإنسان إنسان.. نصف إنسان أو تلك الصفة – الحيوان العاقل، أو إلامَ ينتهي…!!
القصص، المؤلّفة من التجارب والذكريات، وهي الرواية الحقيقية لأصحابها، المكتوبة على صفحات الزمن، تدفعنا للبحث عن تلك اللحظات البريئة الطيبة الآسرة والأخيرة. وقد وثّقتْ فعلَ الماضي في حركة الآتي، تربط ما بينهما لحظة الحاضر. الحاضر يبرز نقداً إشكالياً لسيرورةٍ كأنّها حدثت غداً، تختزن فيها امّحاءً جارفاً للذاكرة، للظلال، اختفاءً جمعياً جارفاً لكلّ ما تطاله الشّمس، وبعض الشظايا تُحفظ في خزانة الأجناس المنقرضة، ثمة نظرياتٌ تفترض منحها فرصةَ القضاء على الأصداء والخيالات والايماءات، حتّى تبهتَ المرايا.
منذ زمنٍ طفوليٍّ معلّقٍ على السُّبورة، رسمت الأيدي أصابعها الملّونة، وتسادلت أغطيةُ الحكايات بتلك المناديل الأرجوان، وقد نُسِجَتْ منازلُ القشِّ والطين، وارتفعت البيادر بنقوش الحقول، وحول حصيرة الحياة، أولادُ طائراتِ الورق، غير أنّ طائرةً حربيةً خارج جاذبية الحكاية، ألقت أحمالها على الأماكن كي تختفي، وبعض الناجين غادروا بلا خيالاتهم، بعض الماكثين حجروا خيالاتهم في نهرِ جارِ كصدَقة، آخرون، أسقطوا الوقتَ، خرجوا إلى ملاعبهم في الليل، حتىّ صاروا أبناء الليل، يبتنون بيوتاً بلا جدرانٍ وأبواب ونوافذ، لا يأتيها الضوء من جانب، ولكي يحفظوا الضوء، حفروا الأنفاق، لمواعيدَ ستكون مزدانةً بقطراتٍ شفيفةِ الغيمات والذكريات.
كان الذاهلون عن خيالاتهم، يتجرّدون من الوقت، وكلّ إصبعٍ على الزناد، طلقةٌ تمنع على الغصن السقوط، ولأن الدخلاء من زمرة الجوائح، كانوا يقيمون الزنازين، يمنعون الخيالات عن أهل البلاد.. وهم في غربتهم الطويلة العقود، في هذا الغياب الحاضر بانبعاث الرؤى، تتجلّى، تسطع دروب الملاحم، لأنها من روح الحقيقة مراغمةً عن اختلاف المواقيت ما بين الداخل والخارج.
لغريبٌ كيف كانت تلك الشمس لا تصغي، حين تصير في كبد السماء.. تقبض كأنّما على الرؤوس والأعناق، تقبض على الخيالات بأسرها.. بإسرائها وأسرارها، وبعض الخضوع تهمةٌ مجازية، لا يملك المرءُ منّا القدرةَ على دفع الأمر، حيث تستحوذ على الكيان والحركة، والأفكار يصيبها شللٌ مؤقت. حالةٌ كنّا نقع فيها في الذهاب والإياب من المدرسة ذات الدوامين؛ فلا نعرف صيفاً من شتاء، وأيّ مجرّةٍ في دورتها كحيتانٍ في ميزان ماءٍ مسرودٍ بحميميةٍ.. تُعيدُ إضاءاتٍ لأجسادٍ على وسنِ عيونِ الليالي.
لطالما عند ناصية الغيوم، مساراتٌ لا تخلو من ندوبٍ، ندوبٍ لا تنفكُّ تطغى على الملامح، على يومياتٍ مطحونة الأفواه والأمعاء، على هذا المنوال تختفي مراحل الطفولة والصِبا، تشيخ، تصفَّرُ الكتبُ والدفاتر، وبعض الكلمات العالقة، أو الهاربة، تقع في حبائل الخريف؛ فمن ذا يواسي مَن، وقد تراكمت تحت الجلد، في الذاكرة البعيدة، في الروح المسافرة شمساً تلو قمر.
تتنقلُ أبراجُ السماء من شهرٍ إلى آخر، وهي حظوظ الوقت الضائع، وما يقع عنها في فنجان القهوة، حكايات تتخفّى بخطوط البُنّ، والغُصّة إذا قرّرَ قُطّاع السُبلِ أن يقطعوا حظوظَ العابرين، حينها، لا بُدَّ لمحاولات الكرِّ والفرّ، وإذا نفرَ ذو اللحية الطويلة، أفتى بتحريم العلوم، وأن التكنولوجيا ملعونة، والطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات والفنون، أن السُرّاقَ الكبار.. خطوطٌ حمراء، خطوطٌ طغتْ شطباً للشعوب، حتّى سالَ النجبعُ شفّافاً كالماء.. بلا طعمٍ ورائحةٍ ولون، حتّى الإمّجاء، حتّى تلك السدود الحاجبة لماء الحياة.