أوروبا على محك الهجرة

رغيد الصلح

خلال أيار (مايو) الفائت اطلعت المفوضية الأوروبية المجتمع الدولي على أجندة الاتحاد الأوروبي للهجرة. وتضمنت هذه الوثيقة الهامة تلخيصاً للخطوات والمشاريع التي توصلت إليها المفوضية لمعالجة قضية المهاجرين. في هذا السياق، أعلنت المفوضية، في تقريرها أنها سوف تزيد ميزانية المراقبة على الحدود وأنها تنظر في إمكان القيام بعمليات عسكرية لتدمير قوارب عصابات تهريب اللاجئين، وتقديم مساعدات فنية إضافية لدول “الجبهات الأمامية” مثل إيطاليا، اليونان ومالطا.
ضبطاً للهجرة ولتفاعلاتها، فقد أعلنت المفوضية أيضاً أن المهاجرين سوف يوزعون على دول الاتحاد وفقاً لكوتا مقررة وإلزامية. كما جاء في الأجندة أيضاً أن الكوتا سوف توزع وفقاً لمعايير محددة مثل عدد سكان الدول وطاقاتها المالية وعدد المهاجرين الذين جاؤوها قبل بدء موجات الهجرة الحالية. أخذاً بعين الاعتبار هذه المعايير، قدرت المفوضية أنه باستثناء أربع دول أوروبية كبرى فقط، لن يتجاوز نصيب دول الاتحاد الأخرى الألف مهاجر فقط.
لم تخرج هذه الوثيقة عن الموقف العام للاتحاد الأوروبي تجاه الهجرة الذي وضعت أسسه في قوانين دبلن للجوء السياسي التي أعلنت خلال التسعينات. فالهدف الرئيسي للأجندة التي أشرف على وضعها فرانز تيمرمان نائب رئيس المفوضية المعروف بدقته ونفوذه، هو تحجيم الهجرة ووضع ضوابط لها وحماية القارة من الهجرة الفلتانة، وتنظيمها، بحيث تبقى ضمن الحدود المعمول بها في قوانين دبلن، أي أن الأجندة انطلقت من أن الهجرة هي من التحديات التي ينبغي التعامل معها بحذر والعمل على درء أخطارها المحتملة.
تلك كانت الأجواء العامة السائدة في دول الاتحاد الأوروبي إلى ما قبل أن تطلق المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، موقفاً جديداً ومذهلاً تجاه الهجرة. في هذا الموقف الجديد، جمدت ميركل مفعول ميثاق دبلن وأجندة المفوضية الأوروبية وسحبت من التداول الرسمي أكثر التحفظات والقيود على الهجرة، وفتحت أبواب ألمانيا ليس أمام بضعة آلاف من المهاجرين بل أمام مئات الألوف منهم. لقد ترددت أصداء هذا الموقف في كافة أنحاء العالم، فهو يفتح صفحة جديدة في تاريخ الهجرة على النطاق الدولي وليس الأوروبي أو الألماني فحسب. هذه الصفحة الجديدة لن تكتفي بتسليط الأضواء على مظاهر التغيير الجذري في السياسات تجاه الهجرة، ولكنها سوف تتحول الى مجال رحب لاستعراض وبحث المسوغات والحوافز الفكرية والأخلاقية التي أنجبته، وكذلك على النتائج البعيدة المدى لهذا التغيير.
أمل كثيرون في أن يكون هذا الموقف الجديد بمثابة الفصل النهائي في مسيرة الهجرة إلى أوروبا. ولكن هذه الأمنية ارتطمت بإعادة فرض القيود الحدودية على دخول الأراضي الألمانية مما دعا صحيفة “زوديتشيه” الليبرالية، إلى التساؤل عما إذا كانت الحكومة تملك أي خطة لمواجهة تداعيات قضية الهجرة، واستطراداً عما إذا كانت هذه القيود وضعت حداً لسياسة الباب المفتوح. في كافة الحالات، وحتى إذا لم تكن لدى برلين سياسة مستقرة لمواجهة هذه القضية الشائكة، فإنه من المرجح أن الجني الذي أطلقته أنجيلا ميركل لن يعود بسهولة الى القمقم، وقد لا يحسن التصرف خارج القمقم ويتسبب ببعض الأضرار. ولكن في الأحوال كافة، فإنه ليس من السهل إرجاعه الى حيث كان.
إن القرار الذي اتخذته المستشارة الألمانية لم يكن فردياً أو حكومياً بحتاً، بل هو ثمرة قراءة دؤوبة لاتجاهات الرأي العام الألماني. لقد ثابرت ميركل على تتبع هذه الاتجاهات والتجاوب معها حتى أنها أمرت بين عامي 2009 و2013 بتنظيم ستمئة استطلاع ودراسة تناولت مواقف الناخبين الألمان تجاه أهم القضايا العامة في ألمانيا. ولعبت نتائج هذه الاستطلاعات التي قامت بها مؤسسات مختصة وموثوقة، دوراً مهماً في تكوين مواقف المستشارة الألمانية من هذه القضايا، ومنها قضية الهجرة، فالموقف من الهجرة تطور لصالح دعاة سياسة الباب المفتوح، بحيث إن أكثر الألمان باتوا يتحدثون باعتزاز عن فصل جديد من تاريخهم عنوانه “ثقافة الضيافة” التي يعتنقونها. إنهم يطوون بذلك فصل النازية البائس، كما تلاحظ صحيفة ‘“الفايننشال تايمز” الإنجليزية (16/09/2015). فضلاً عن ذلك، فإن عدداً متزايداً من الألمان بات يتابع باهتمام التقارير والإحصائيات التي تحذر من تراجع عدد سكان ألمانيا، مثل تقرير المفوضية الأوروبية الذي صدر أخيراً، لكي يبين أنه في عام 2060 سوف تعجز المجتمعات الأوروبية، في ظل الاتجاهات الديموغرافية السائدة عن إعالة المتقاعدين. وهذه التقارير تحث حكومات القارة على فتح أبواب الهجرة للشباب. ثم إننا حينما نتحدث عن العوامل التي ترجح استمرار السياسة المتساهلة تجاه الهجرة، علينا أن نذكر أن هذه السياسة تتطور في ظل تغييرات مهمة في الخريطة السياسية الأوروبية. فأوروبا لا يسيطر عليها الليبراليون الجدد أو المحافظون الجدد او الليبراليون، ولا تمثل الأحزاب والجماعات العنصرية في القارة البدائل المحتملة للأحزاب الحاكمة. القارة الأوروبية اليوم هي ساحة تنافس متكافئ بين اليسار واليمين. وفي هذا التنافس ترتفع أصوات المنادين بالتضامن الإنساني وبالعدالة وبالتعاطف مع المظلومين ومع الذين تتهددهم الحروب والمجاعات والمظالم السياسية والاجتماعية وأخطار الهجرة.
وعلى رغم هذه المعطيات التي ترجح عودة ألمانيا وأوروبا إلى سياسة باب الهجرة المفتوح، إلا أنه لا يصح الجزم بأن العودة إليها مضمونة. وتتمثل العقبات أمام الرجوع إلى هذه السياسة بمقاومة القوى الثلاث التالية هذا الاحتمال:
1- إسرائيل ومؤيدوها في أوروبا. إن تدفق مئات الألوف من اللاجئين العرب، وخاصة سوريا العراق إلى القارة الأوروبية وإلى ألمانيا تحديداً التي تتحول تدريجيا إلى قاطرة الاتحاد الأوروبي، هو أمر جدير بإثارة القلق في إسرائيل وبين مناصريها في أوروبا. بالطبع، تخشى اسرائيل ومناصروها أن يتحول هؤلاء بيئة حاضنة لأعمال عنف ضد اليهود. ولكن خطر المهاجرين الأكبر، من وجهة نظر إسرائيلية، هو أن يندمج هؤلاء في المجتمعات الأوروبية، وأن يشاركوا في الحياة العامة وفي المنتديات التمثيلية، فيقوموا بدور أساسي في تعريف الأوروبيين على حقائق الصراع العربي- الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. لقد قام مؤيدو إسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة بدور فاعل في تعطيل الحوار الأوروبي- العربي وذلك بغرض تعطيل أي مبادرة أو إطار لتنمية العلاقات العربية- الأوروبية. وما قام به مؤيدو إسرائيل على هذا الصعيد يقدم نموذجاً لما يمكن أن يقوموا به في مقاومة موجات الهجرة العربية إلى أوروبا وتعطيل مفاعيلها المتنوعة.
2- المتعصبون القوميون والدينيون الأوروبيون. إن هؤلاء يقومون حالياً بنشاط تحريضي واسع ضد المهاجرين. ولقد تراجع دورهم تراجعاً ملموساً مع انتشار ثقافة الضيافة في ألمانيا ودول أوروبية أخرى. إلا أن هؤلاء سوف لن يكفوا عن التفتيش عن فرص التحريض ضد المهاجرين للعودة بقوة إلى الساحة السياسية.
3- الجماعات الإرهابية التي سوف تبحث عن فرص لإشراك العرب والمسلمين في نشاطاتها. إن الموقف السلبي من الحضارة الأوروبية سوف يشكل حافزاً رئيسياً لنشاط هذه الجماعات.
إن هذه حصيلة نشاط هذه الجماعات هي عرقلة الهجرة إلى أوروبا وإلحاق الأضرار المستمرة بالمهاجرين الى القارة، ولكن من غير المتوقع أن تمنع هذه الجماعات عودة ألمانيا، ومعها أوروبا، إلى سياسة باب الهجرة المفتوح، حتى أنه إذا استقر الرأي على تنظيم الهجرة فإنه سوف يكون باتجاه السماح لأعداد كبيرة من المهاجرين بالانضمام الى المجتمعات الأوروبية. ونظراً إلى النسبة العالية من المهاجرين العرب إلى أوروبا، وحيث إن الهجرة بالوسائل الحالية تعرض الكثيرين منهم إلى المآسي والأخطار، تتردد في أوساط الجيل القديم من المهاجرين إلى القارة تساؤلات كثيرة عن سر الغياب العربي الرسمي وحتى الشعبي أحياناً عن إعطاء مسألة المهاجرين إلى أوروبا حقها من الاهتمام. ويعتقد الكثيرون من المهاجرين، أن دعم الموقف الجريء والإنساني الذي اتخذته أنجيلا ميركل سوف يفيد المهاجرين ويخدم المصالح العربية والأوروبية المشتركة. ويمكن أن يتبلور الاهتمام الرسمي العربي في بيان من رئاسة القمة العربية يحيي فيه ميركل والشعب الألماني على الموقف المبدئي من قضية الهجرة، وبيانات مماثلة من المنظمات الإقليمية العربية، وفي مقدمها جامعة الدول العربية والمجالس الوزارية منها. وتستطيع منظمات المجتمع المدني العربي أن تلعب دوراً مهماً على هذا الصعيد يتمثل في تدارس المواقف الأوروبية والدولية تجاه مسألة الهجرة وإصدار بيانات تنوه بالمواقف المتعاطفة مع الهجرة. كذلك يمكن أن تتمثل هذه المواقف في خطوات أخرى مألوفة مثل زيارة سفارات الدول التي تفتح أبوابها تجاه المهاجرين وتعاملهم معاملة كريمة والتنويه بهذه المواقف والإشادة بها. إن هذه المواقف لا تتطلب جهداً كبيراً ولكن مردودها سوف يكون عالياً.