أبسطُ صدري وأنفاسي…

 بقلم / أحمد وهبي

… أُغمضُ عينيَّ كأنَّما على رجلٍ غريب، وقد جنّتِ الأرض بأناسها، وأهدرَ دماءَنا الغاوون؛ فلا ثأرَ، لا مُطالِب. أُغمض عينيَّ على صوّرِنا الأولى، تنتابني الرّغبات، كما لو امتلأت عيناي بالذكريات، والمسافات تتمدّدُ، ونحن أيتامها نقطعها بهواءٍ مثقوب، بإصغاءٍ مبتورٍ، ببقايا بقعٍ غير قابلةٍ للحياة، والأعوام الفائتة تميدُ تحت الأفكار، تصير هناك حياةً أخرى بطلقةٍ واحدة…
هناك عبرتُ إليها، وكلّما تقدّم بنا العمرُ نخلدُ إلى الحبّ أكثر، والدّروب التالية مثل أثوابنا كمراحل الأعمار، وإذا راوحنا مكاننا، عرفنا الجهات والسُبُلَ، وسلكنا الأضواءَ.. منها المتبسّم، منها المنكسر، والمشاعر المتضافرة ننحتها في الدّماء، تحملنا إلى الآصال.. إلى صهيل الغوايات وحمرة الدنان…
بعد أسفارٍ وأسفار، ننظرُ، كأنّما لم نزلْ على مبعدةِ خطواتٍ من منازلنا الأولى، وقد حملناها في أكثرَ من صرّةٍ «وكيسٍ» وسلّة. وكان كما لو نجوع للغناءِ والرقص، لجلساتِ المحبّةِ والأنسِ والخبز، لمصافحةِ كلّ وجه. ومن على منحدرٍ تتدلّينا بعتمةِ الليل، والفصول الجديدة المريبة.. رُحنا نمشيها على حبال نارها وصخورها وأشواكها بغير حسبان.
وكان، إذا ما وقعنا في الحبّ، لم يكن على هذا القلب مفاجئاً، بل كنّا نقرأ قلوبنا بالحدْسِ والإحساس، بالقلم والورقة.. بوردة، تلك الضحكة الصادحة، الغيمة العابرة، البسمة الطيبة والكلمة، تنثرُ عشقنا في الصبح، عند الغروب.. لنستيقظَ بألوان الحياة، تغلّفنا بالفرح والحبور والبهجة، نطوي بها قلقَ الأمس، الغدَ بأزرار العشق، ولا نسمع لترّهاتٍ مكشوفة، لظلالٍ مكسورة، لأفكارٍ حدباء.
أذكرُ، فعلتُ خيراً بين متخاصمين، أبسطُ صدري وأنفاسي، كي لا يُثقلَ علينا الحزن والجزع، وكلّّ نظرةٍ نجمعها لرؤىً مطرّزة الأحلام، لا اسأمُ مَن يجافي.. حتى آخر القهر، لا بل أبادرُ بكلمةِ محبّةٍ وقلب.. كمن يحمل معه كلَّ كلامِ الأهل الطيبين، العشّاقِ والأزاهير، لأجل أيامٍ ناقصة.. كما لو نعود لفرحٍ واكتمال.