في ذكرى مرور 46 عاماً على غيابه… لو عاش جمال عبد الناصر الى عام 8991

قد تكون مقالات الدكتور سامي مبيض من الأكثر انتشاراً على مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية، او بالانكليزية نقلاً عن صحف عالمية مثل الواشنطن بوست الأميركية والديلي تيليغراف البريطانية. هو صاحب اسلوب خاص في التحليل برؤية تاريخية، مؤرخ دمشقي وكاتب عربي مختص بتاريخ سوريا المعاصر منذ زوال الحكم التركي عن بلاد الشام عام 1918 وحتى قيام جمهورية الوحدة مع مصر سنة 1958، اضافة الى عمله استاذاً جامعياً ومستشاراً دولياً في شؤون الشرق الأوسط. انتخب هذا العام عضواً في المعهد الملكي البريطاني للتاريخ، وعين مستشاراً لمؤسسة الامير عبد القادر الجزائري للثقافة والتراث. عمل سابقاً خبيراً في مركز كارنيغي للسلام الدولي، وزميلا باحثاً في جامعة سانت اندروز في اسكتلندا، اضافة لكونه احد مؤسسي مركز دراساتها السورية. صدرت له عدة كتب منها فولاذ وحرير وسوريا والولايات المتحدة وتحت الرايات السود وتاريخ دمشق المنسي. انشأ مؤسسة تاريخ دمشق للحفاظ على ارشيف المدينة المهدد بسبب الحرب، وهو رئيس مجلس لامناء في المؤسسة التي تضم شخصيات عالمية منها الكاتب اللبناني امين معلوف والعالم نعوم تشومسكي. درس في الجامعة الأميركية في بيروت ونال شهادة الدكتوراه من جامعة اكستر البريطانية.

يقال أن المطربة السورية الكبيرة أسمهان قابلت عرافة ذات يوم قالت لها أنها ولدت في الماء وتنبأت أنها ستموت في الماء ايضاً. وبالفعل هكذا حصل، ولدت أسمهان على متن باخرة متجهة من تركيا الى بيروت عام 1912، وتوفيت عند غرق سيارتها في ترعة النيل في صيف عام 1944. قبل سنوات من وفاتها مرت أسمهان من أمام الترعة نفسها ورجف قلبها خوفاً عند سماع صوت آلة الضخ البخارية، وقالت يومها لصديقها الصحافي محمد التابعي رئيس تحرير مجلة آخر ساعة: كلما سمعت مثل هذه الدقات تخيلت انها دفوف جنازة!

الحديث النبوي الشريف يؤكد بحزم كذِب المنجمين …ولو صدقوا، ولكن لو قابلت هذه العرافة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لطلبت منه أن يحذر يوم الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر، تماماً كما فعل أحد العرافين مع الامبراطور الروماني الشهير يوليوس قيصر عندما حذره من تاريخ مقتله طعناً بالسكاكين، من أقرب المقربين اليه في الخامس عشر من آذار/مارس. من يعلم الغيب حكما كان سوف يحذر الرئيس المصري من يوم الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر، ففي هذا التاريخ مات جمال عبد الناصر مرتين، الأولى عام 1961 عندما وقع إنقلاب عسكري في دمشق أطاح بجمهورية الوحدة التي كانت عزيزة جداً على قلبه. والمرة الثانية كانت في عام 1970 عندما أصابته نوبة قلبية حادة أودت بحياته وهو لم يتجاوز الثانية والخمسين من العمر. أنهك الانفصال جمال عبد الناصر كثيراً لشدة تعلقه بمدينة دمشق وإعجابه بما عرف يومها بالإقليم الشمالي، حضارياً وثقافياً واجتماعياً، ولما لمس من محبة صادقة من الشعب السوري تجاهه تحولت الى عداء وكراهية بسبب قرارات التأميم الجائرة والسياسات البوليسية الذي اتبعها صديقه المشير عبد الحكيم عامر، حاكم سوريا طوال سنوات الوحدة.

عند سماعه خبر الانفصال ردد عبد الناصر بغضب: يحز في نفسي أن يكون العرس في القاهرة والمأتم في دمشق، لأن ولادة الجمهورية العربية المتحدة كانت من على شرفة قصر القبة في العاصمة المصرية في شباط/فبراير عام 1958، ومماتها كان في عاصمة الأمويين بعد 43 شهراً فقط، علماً بان عبد الناصر وعد الشعبين المصري والسوري بأنها ستدوم 100 عام على الأقل.

ولكن في المرة الثانية اي في ٢٨ ايلول/سبتمبر عام 1970 كان المأتم في القاهرة وليس في دمشق، عندما خرج ما لا يقل عن خمسة ملايين مصري في وداع أبا خالد ومعهم جميع القادة العرب باستثناء الملك سعود بن عبد العزيز، الذي كان على خلاف شديد مع الرئيس المصري. أغمي يومها على الزعيم الليبي الشاب معمر القذافي لشدة تأثره بالحدث الرهيب، وبكى كل من الحسين بن طلال ملك الأردن ومعه الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وسارت جنازات عفوية في جميع عواصم العالم العربي، سقط خلالها قتلى في بيروت نتيجة الفوضى العارمة ومشى 75 ألف مواطن فلسطيني في القدس الشرقية يصيحون بأعلى الصوت: كلنا جمال عبد الناصر.

نظرية روبرت هارس: ماذا لو

منذ سنوات ظهرت مدرسة فكرية جديدة في لندن تطرح فرضية التاريخ من باب الاجابة عن سؤال ماذا لو صاحب هذه النظرية الكاتب روبرت هارس بدأ بسؤال: ماذا لو انتصر هتلر على السوفيات يجيب فرضياً من مطلع العام 1961: الفوهرر هتلر يحتفل بعيد ميلاده الثاني والسبعين في برلين، وجون كنيدي يسكن في البيت الأبيض. لا وجود لبريطانيا العظمى في العالم، ولا اتحاد سوفياتي، ولا اسرائيل! لو طبقنا هذه الفرضية في عالمنا وطرحنا سؤال: ماذا لو لم يمت جمال عبد الناصر عام 1970 وعاش طويلاً ليصل الى العقد الثامن من العمر، كما وصل خلفه في الرئاسة المصرية محمد حسني مبارك، أي لو عاش جمال عبد الناصر الى سنة 1998.  طبعاً كان تغير الكثير، الكثير ليس فقط في مصر وانما في العالم العربي كله. أولاً لو حصل هذا الامر لما وصل أنور السادات الى سدة الحكم في مصر، ولما وقعت بلاده اتفاقية كامب ديفيد مع اسرائيل، وبذلك لما نشطت الجماعة الاسلامية بهذا الشكل في المجتمع المصري، ولما تفاقم خطر الإسلام السياسي بعد الاجتياح السوفياتي لافغانستان ومقتل السادات نفسه عام 1981. ربما…مجرد ربما، لما ظهر تنظيم القاعدة وبذلك لما كان تنظيم داعش اليوم، يضرب في عمق صحراء سيناء وفي كل من سوريا والعراق وليبيا. لو عاش جمال عبد الناصر طويلاً لربما ما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 بسبب مونة الرئيس المصري على ياسر عرفات، أو لكانت أشد بكثير بسبب دعم عبد الناصر لانصاره في لبنان كما فعل خلال الثورة على الرئيس كميل شمعون نهاية الخمسينيات. نحن نطلق الخيال هنا ولا نملك الاجابة عن كل هذه التصورات، ولكن لو تجنب عبد الناصر الحرب في لبنان وامر التنظيمات الفلسطينية بعدم الرد أو اخرجهم باكراً من بيروت، لما كان الاجتياح الاسرائيلي ولما كانت مجزرة صبرا وشاتيلا ولا تدخُّل السوريين عام ١٩٧٦ ولما كان مؤتمر الطائف او رفيق الحريري او حزب الله.

لو عاش عبد الناصر طويلاً ولم توقع اتفاقية كامب ديفيد، فمن المؤكد أنه لن يكون هناك مؤتمر في مدريد ولا اوسلو ولا اتفاقية وادي عربة. لو لم يخرج أبو عمار الى تونس لكان شكل الانتفاضة الأولى في مختلف داخل الاراضي المحتلة ولما كانت انتفاضة الأقصى عام 2000. طبعاً كان عبد الناصر سيحاول رد الاعتبار للجيش المصري المهزوم بعد حرب حزيران/يونيو، تماماً كما فعل السادات في حرب العاشر من رمضان، ولكن كان سيصعب على عبد الناصر مغادرة ارض المعركة منفرداً، كما فعلت مصر بالجيش السوري. ولو أكمل القتال وتجنب محاصرة الجيش الرابع لافشل كل محاولات الدبلوماسية المكوكية يومها لوزير خارجية الولايات المتحدة هنري كيسنجر. لو عاش جمال عبد الناصر طويلاً كيف كان سيكون شكل حكم البعث في سوريا والعراق لولا أنور السادات لما كان حسني مبارك ولولا مبارك فلا ربيع عربي في ميدان التحرير عام 2011. ولو انقلب عليه أحد معاونيه نتيجة تقدمه بالسن كما فعل زين العابدين بن علي مع الرئيس الحبيب بورقيبة، لكان رد جمال عبد الناصر مختلفاً واقوى بكثير.

كل هذه الفرضيات من نسج الخيال الخصب طبعاً لا تتعدى الترف التاريخي في شكلها الحالي، فقد مات جمال عبد الناصر منذ 45 سنة، وحكم عليه التاريخ بصرامة، اما منقذاً وملهماً ومارداً عربياً كما عرف طوال حياته، أو ديكتاتوراً مجرماً كما وصفه اعداؤه من جماعة الاخوان المسلمين. مهد الطريق امام الأنظمة العسكرية التي حكمت البلاد والعباد بالسيف والنار على مدى خمسة عقود متتالية من الزمن. في ذكرى رحيله، أحببناه أم كرهناه، اتفقنا معه أو خالفناه، جمال عبد الناصر كان ظالماً ومظلوماً، غيَّر مجرى الأحداث في العالم العربي بحياته ومماته.