الشغور الرئاسي والفساد والعجز في الموازنة أسباب تفرض «الشراكة» بين القطاعين العام والخاص

اميل خوري

ثلاثة أسباب مهمّة قد تفرض تحقيق “الشراكة” بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ المشاريع الكبرى. وهذه الأسباب هي: الشغور الرئاسي المستمر، وانتشار الفساد، والعجز في الموازنة.

لذلك بات مطلوباً إقرار المشروع الخاص بـ”الشراكة” بين القطاعين العام والخاص في مجلس النواب ولا يظل في الأدراج لمصالح ذاتيّة لا تمت إلى المصلحة العامة بأي صلة، وذلك قبل أن يُواجه لبنان مرحلة الفراغ الشامل بعدم وجود رئيس للجمهورية، ولا حكومة، ولا مجلس نواب، بل شلل لكل المؤسّسات. وإذذاك يدخل الوضع المالي في أزمة استحقاقات ماليّة كبيرة تتطلّب إقرار سلسلة تشريعات ضروريّة لتوفير الأموال اللازمة وفتح الاعتمادات لتأمين دفع رواتب الموظفين وخدمة الدين العام، كما تتطلّب إقرار الموازنة العامة لوقف الانفاق العام على أساس القاعدة الاثني عشريّة، وهو ما يصبح متعذّراً في ظل الفراغ الشامل الذي يدخل لبنان في فوضى عارمة بل في ثورة شعبيّة.

الواقع ان اقتصاد لبنان المرتبط عضوياً باقتصاد المنطقة يجعله يدفع ثمن التعقيدات فيها والانقسامات الداخليّة وشغور الرئاسة وضعف انتاجيّة الحكومة، وكذلك ثمن الحرب في سوريا وكثافة النزوح السوري إليه بسبب الحدود المفتوحة وضآلة المساعدات الدولية. هذا الوضع المالي الدقيق جعل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يقول: “إن لبنان في حاجة إلى تنظيم تحرّكاته في شأن الاصلاحات، فالوقت الذي يُهدر مُكلف”، مع تأكيده أن المصرف المركزي سيظل يحقق الاستقرار للاقتصاد حتى تصبح الحكومة أكثر فاعليّة وتقر الموازنة وتعالج العجز. وكشف رئيس مجلس إدارة جمعية المصارف اللبنانية جوزف طربيه في اجتماع الهيئات الاقتصادية في بكركي عن وجود انخفاض في تدفّق التحويلات المالية التي تأتي من الخارج بما يساهم في تراجع الوضع التجاري، إضافة الى الآفاق الملبّدة التي تشير إليها الاجراءات الحكوميةّ. وأطلق وزير المال علي حسن خليل جرس الانذار بقوله صراحة: “إن الوضع المالي سيّئ ولا حل إلّا بإقرار الموازنة العامة”. ولفت وزير المال سابقاً جهاد أزعور إلى أن “الملفات الماليّة والاقتصاديّة لا بد من أن تكون لها الأولويّة لأنّها تشكّل جزءاً أساسيّاً من الاستقرار العام، وإن أسوأ العادات في لبنان هي الكثير من الخطط والقليل من التنفيذ”.

هذا الوضع المقلق جعل الهيئات الاقتصاديّة تواصل رفع الصوت وتحذّر من التراجع المُخيف في المؤشّرات الاقتصاديّة كلّها نتيجة استمرار الشغور الرئاسي والشلل في المؤسّسات، ووجوب التضامن مع الاقتصاد الوطني وحماية لقمة عيش اللبنانيّين. وقد أكد رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق عدنان القصار في تصريح سابق: “إننا لن نقبل استمرار الوضع على ما هو”. لكن أين يمكن أن يبلغ تصعيد هذه الهيئات، ولمن توجّه مطالبها بالضغط ولا وجود لرئيس جمهوريّة والحكومة شبه مشلولة، وكذلك مجلس النواب. وهذا كان من أسباب تعليق الهيئات تحرّكها.

يبقى أن الأهمّ الذي يحتاج إلى مكافحة عمليّة وفعلية هو الفساد الذي ينخر كل مفاصل الدولة، ولا سبيل الى ازدهار ونمو في ظلّه. هذا الفساد الذي كلّف لبنان أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً بات لا بد من إنشاء هيئة لمكافحته توصلاً إلى معرفة الفاسدين، وعدم الاكتفاء بكثرة الكلام عليهم في انتظار إحياء هيئات الرقابة التي أنشأها الرئيس فؤاد شهاب ومعها بدأ الإصلاح الإداري البعيد عن تدخّل السياسة.

الثابت والأكيد أنه لا يمكن إقامة دولة قويّة في ظل الفساد، وان أي نظام سياسي يجب أن يلحظ خطّة لاجتثاث الفساد، فما يمر به لبنان من أزمات يقصم ظهر أي اقتصاد في العالم ويطيح عملته الوطنيّة لولا قدرة حاكم مصرف لبنان على العبور بسلامة بين الألغام السياسيّة والأمنيّة.

لقد بات الفساد والمحسوبيّة والبيروقراطيّة واقعاً قائماً مع تحوّل قصة الإصلاح الإداري في لبنان “قصة ابريق الزيت”، وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وعدم تغلب الكفاية على المحسوبية، وهذا ما يجعل “الشراكة” بين القطاعين العام والخاص السبيل الأفضل الى وقف الفساد ووضع حد للمحسوبية في التوظيف، خصوصاً بعدما أصبح الفساد أزمة أخلاق أكثر منه عدم وجود قوانين تردع، وملح فاسد لا يملَّح به… لقد عاد البعض الى رفع شعار الخصخصة لقطاعات معيّنة وكحلٍّ لايفاء جزء من المديونية العامة ولتحديث هذه القطاعات وتطويرها. إلّا أن الخصخصة تصطدم بمجموعة من العراقيل السياسية، في حين أن “الشراكة” بين القطاعين العام والخاص تحظى بقبول أكبر من مختلف الفئات. يقول الأمين العام للمجلس الأعلى للخصخصة زياد حايك في حديث سابق له: “إن الخصخصة والشراكة بين القطاعين هما أدوات إصلاحيّة ولكن السياسة تعيقهما. فالجدل حولهما تحوّل جدلاً سياسيّاً بدلاً من أن يكون تقنيّاً وعلميّاً وأداة إصلاح في قطاعات معيّنة وفي ظروف معيّنة، ويمكن ألّا تكون كذلك في قطاعات أخرى، وان عدم معرفة مفهوم الخصخصة أدّى إلى عدم تنفيذ أي عملية خصخصة الى اليوم، لذلك بات على لبنان الرسمي أن يقرّر، عاجلاً أم آجلاً، الوسيلة الفضلى التي تخرجه من ضيق الوضع الاقتصادي والمالي استناداً إلى العلم والمعرفة وليس استناداً إلى السياسة والمصالح الذاتية، لأن لا استقرار سياسيّاً وأمنيّاً من دون استقرار اقتصادي ومالي، ولا ينبغي أن يظل التعامل مع الأزمات الاقتصادية المالية والاجتماعية كما التعامل مع الأزمات السياسية وبلا مسؤوليّة”.