هولاكو خان

اندرو حلمي
مراسل الأنوار في المكسيك

من إعداد / أندرو حلمي.. مراسل «الأنوار» في المكسيك

هولاكو خان (1217 – 8 فبراير 1265) حاكم (مغولي) احتل معظم بلاد جنوب غرب آسيا بعد أن قتل الملايين من أهلها، وتوسع جيشه كثيرا بالجزء الجنوبي الغربي للإمبراطورية المنغولية، مؤسسًا سلالة الخانات بفارس، وتوالت السلالات بعد ذلك إلى أن انتهت إلى إيران الحديثة. وتحت قيادة هولاكو، اجتاح المغول بغداد عاصمة الخلافة العباسية. كما تحول المؤرخون من الكتابة العربية للفارسية في عهده.

< نسبه و نشأته

هو هولاكو خان، بن الإمبراطور تولوي بن الإمبراطور جنكيز خان وأمه سرغاغتاني بكي، وهو شقيق كل من الإمبراطور منكو خان والإمبراطور قوبلاي خان والإمبراطور إريك بوك. في عام 1217م ولد هولاكو لأبيه تولوي خان (أصغر أبناء جنكيز خان) وأمه سرغاغتاني بكي التي كانت تنتمي لإحدى قبائل الترك المعتنقة للمذهب النسطوري للديانة المسيحية في منغوليا، وكذلك أيضا كان مذهب زوجته دوقوز خاتون حفيدة طغرل خان ملك قبائل الكيرايت التركية الذي كان ملك الصين قد لقبه بوانغ خان، وكان أقرب صديق لهولاكو هو كتبغا.

كان هولاكو شديد الولع بالحضارة الفارسية وثقافتها، فما إن أصبح خان لبلاد الفرس، ومؤسس لعهد الخانات فيها حتى اجتمع إليه في ديوانه العديد من الفلاسفة والعلماء والحكماء من بلاد فارس التي كانت مسلمة وتتبع الدين الإسلامي.

كان لدى هولاكو الكثير من الزوجات والعديد من المحظيات. أما زوجته الرئيسة فكانت دوقوز خاتون المسيحية، والتي كانت في الأصل خليلة أبيه تزوجها من بعده.

< العمليات العسكرية

قام مونكو خان حفيد جنكيز خان الذي أصبح خانا عظيما في 1251، بتكليف أخيه هولاكو في 1255 بقيادة الجيش المغولي الهائل لغزو أو تحطيم الدول الإسلامية الباقية في جنوب غرب آسيا. أرادت حملة هولاكو إخضاع اللور -وهم جماعة يستوطنون جنوب إيران- والقضاء على طائفة الحشاشين وإخضاع أو تدمير الخلافة العباسية في بغداد. أمر مونكو أخاه هولاكو بمعاملة من يستسلمون برحمة، والقضاء تماما على من يقاومون. وقام هولاكو بتنفيذ الجزء الأخير من هذه الأوامر بمنتهى الشدة والقسوة.

خرج هولاكو مع ما يقال إنه أكبر جيش مغولي تم تكوينه على الإطلاق بأمر من مونكو خان؛ حيث خرج ضمن هذا الجيش مقاتل من كل عشرة مقاتلين في كامل الإمبراطورية. وبدأت العمليات العسكرية بهزيمة اللور بسهولة، ونتيجة لسمعته أصاب الحشاشين خوف كبير لذا قاموا بتسليم قلعتهم الحصينة ألموت إليه بدون معركة.

قام جيش هولاكو بعد انتصاره على اللور والحشاشين بالانطلاق إلى بغداد وأرسل رسالة تهديد إلى الخليفة يطالبه فيها بالاستسلام، إلا أن الخليفة رفض ذلك وبدلا من هذا أرسل رسالة إلى هولاكو ينذره فيها بعقاب الله إن هاجم خليفة المسلمين.

بعد رد الخليفة، انطلق الجيش المغولي إلى بغداد بقيادة هولاكو، وعندما اقترب من المدينة قام بتقسيم جيشه إلى قسمين لكي يحاصروا كلا الجانبين من المدينة في الجهتين الشرقية والغربية من نهر دجلة. نجح جيش الخليفة في رد بعض القوات التي هاجمت من الغرب، لكنه انهزم في النهاية، وفي 10 فبراير عام 1258 استسلمت بغداد.

< الحملة على إيران

لم يكن هولاكو قد تجاوز السادسة والثلاثين من عمره حين عهد إليه أخوه “منكو خان” بهذه المهمة فخرج على رأس جيش هائل قُدّر بنحو 250 ألف جندي من أقوى جنود ومقاتلي المغول، بالإضافة إلى كبار القادة والفرسان، وحرص الخان الأكبر أن يوصي أخاه قبل التحرك بأن يلتزم بالعادات والتقاليد ويطبّق قوانين جده جنكيز خان، وأن يكون هدفه هو إدخال البلاد من ضفاف نهر “جيحون” حتى مصر في دولة المغول، وأن يعامل من يخضع لسلطانه معاملة طيبة، ويذيق الذل من يبدي المقاومة حتى ولو كان الخليفة العباسي نفسه، فعليه أن يزيحه ويقضي عليه إذا ما اعترض طريقه.

وحقق هولاكو هدفه الأول بالاستيلاء على قلاع الطائفة الإسماعيلية سنة (654هـ = 1256م) بعد معارك عديدة واستماتة بذلها أفراد الطائفة في الدفاع عن حصونهم وقلاعهم، لكنها لم تُجدِ نفعا إزاء قوة الجيش المغولي.

< هولاكو في بغداد

مضى هولاكو في تحقيق هدفه الآخر بالاستيلاء على بغداد والقضاء على الخلافة العباسية، فأرسل إلى الخليفة المستعصم بالله يتهدده ويتوعده، ويطلب منه الدخول في طاعته وتسليم العاصمة، ونصحه بأن يسرع في الاستجابة لمطالبه حتى يحفظ لنفسه كرامتها ولدولته أمنها واستقرارها. رفض الخليفة الانصياع إلى ماقاله هولاكو على الرغم من ضعف قواته وما كان عليه قادته من خلاف وعداء، فضرب هولاكو حصاره على المدينة المنكوبة التي لم تكن تملك شيئا يدفع عنها قدَرَها المحتوم، فدخل المغول بغداد سنة (656هـ = 1258م).

اهتز العالم الإسلامي لسقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية التي دافعت عن العالم الإسلامي أكثر من خمسة قرون، وبلغ الحزن الذي ملأ قلوب المسلمين مداه حتى أنهم ظنوا أن العالم على وشك الانتهاء، وأن الساعة آتية عما قريب لهول المصيبة التي حلّت بهم، وإحساسهم بأنهم أصبحوا بدون خليفة، وهو أمر لم يعتادوه.

< دمار بغداد

كانت المكتبة الكبيرة ببغداد تحتوي على وثائق تاريخية ثمينة وكتب علمية كثيرة تتراوح مواضيعها من الطب لعلم الفلك، وقد تم تدميرها كاملة وقال المتبقون على قيد الحياة أن مياه نهر دجلة أصبحت سوداء نتيجة لكمية الحبر الهائلة من الكتب التي ألقي بها في النهر.

حاول العديد من مواطني بغداد الهرب ولكن تم اعتراضهم من قبل قوات المغول، وتراوحت أعداد القتلى من مائتي ألف حتى مليون قتيل.

المساجد، القصور، المكتبات العامة، المستشفيات والبنايات الضخمة التي استغرق بناؤها وقتا كبيرا نهبها المغول جميعها ثم أحرقوها بعد ذلك.

تم أسر الخليفة وأجبر على مشاهدة دمار المدينة، ثم أمر هولاكو جنوده فقاموا بلفه بسجاد وأوسعوه ضربا ودهسا بالخيول حتى مات لأنهم كانوا يعتقدون أنه لا ينبغي أن يتم إراقة دماء ملكية.

اضطر هولاكو لتحريك معسكره بعيدا عن المدينة نتيجة للرائحة الكريهة التي كانت تتصاعد من الموتى والمدينة المدمرة.

ظلت المدينة بعد ذلك مدمرة وخالية من السكان لعدة سنوات.

< الهجوم على دمشق

شرع هولاكو بعد سقوط بغداد في الاستعداد للاستيلاء على بلاد الشام ومصر، وفق الخطة المرسومة التي وضعها له أخوه “منكو خان” فخرج من أذربيجان في رمضان (657هـ = 1259م) متجها إلى الشام، ونجح في الاستيلاء على “ميافارقين” بديار حلب، وهي أول مدينة ابتدأت بها الحملة المغولية، ولم تسقط إلا بعد عامين من الحصار، نفدت خلالها المؤن، وهلك معظم سكان المدينة، وبعد سقوط “ميافارقين” واصل هولاكو زحفه نحو “ماردين” فسقطت بعد ثمانية أشهر، وفي أثناء حصار “ميافارقين” كانت قوات من جيش هولاكو تغزو المناطق المجاورة فاستولت على “نصيبين” و”حران” و”الرها” و”البيرة”.

بعد ذلك تقدم هولاكو على رأس قواته لمحاصرة حلب، ونصب المغول عشرين منجنيقا حول المدينة و صاروا يمطرونها بوابل من القذائف حتى استسلمت في (التاسع من صفر 658هـ= الحادي والثلاثين من يناير 1260م) وبعد حلب سقطت قلعة “حارم” و”حمص” و”المعرة”، وأصبح طريق الحملة مفتوحا إلى دمشق.

ولما وصلت الأنباء باقتراب المغول من دمشق فرَّ الملك “الناصر يوسف الايوبي” مع قواته، تاركاً مدينته لمصيرها المحتوم، ولم يكن أمام أهالي دمشق بعدما عرفوا ما حل بحلب بعد مقاومتها لهولاكو سوى تسليم مدينتهم، حتى لا تلقى مصير حلب، فسارع عدد من أعيانها إلى زعيم المغول يقدمون الهدايا ويطلبون منه الأمان، في مقابل تسليم مدينتهم فقبل هولاكو ذلك، ودخل المغول المدينة في يوم الأحد (السابع عشر من صفر 658هـ= 2 من فبراير 1260م).

< رسالته إلى قطز

عندما كان سيف الدين قطز منشغلاً بإعداد الجيش وتجهيزه، جاءته رسالة من هولاكو يحملها أربع رسل من التتار، وفيها:

   سيف الدين قطز من ملك الملوك شرقاً وغرباً الخاقان الأعظم، باسمك الله باسط الأرض ورافع السماء، يعلم الملك المظفر قطز الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الإقليم يتنعمون بأنعامه، ويقتلون من كان بسلطانه بعد ذلك، يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال أنَا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطناً على من حل به غضبه، سلموا إلينا أمركم قبل أن ينكف الغطاء، فتندموا ويعود عليكم الخطأ، فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرفق لمن شكى، قد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب وعلينا الطلب، فأي أرض تأويكم وأي طريق تنجيكم وأي بلاد تحميكم، فما من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا خلاص، فخيولنا سوابق وسهامنا خوارق وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع والعساكر لقتلنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع، فإنكم أكلتم الحرام، ولا تعفون عن الكلام، وخنتم العهود والأيمان وفشا فيكم العقوق والعصيان، فأبشروا بالمذلة والهوان (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) فمن طلب حربنا ندم ومن قصد أماننا سلِم، فإن أنتم لشرطنا ولأمرنا أطعتم، فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن خلفتم هلكتم، فلا تُهلكوا نفوسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر وقد ثبت عندكم أنّا نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة، وقد سلطنا عليكم من له الأمور المقدرة والأحكام المدبرة، فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم عندنا ذليل، وبغير المذلة ما لملوككم علينا سبيل، فلا تطيلو الخطاب وأسرعوا برد الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منّا جاهاً ولا عزاً ولا كافياً ولا حرازاً، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منا خالية، فقد أنصفناكم إذ راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم والسلام علينا وعليكم وعلى من أطاع الهدى وخشي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى.

كانت هذه الرسالة بمثابة إعلاناً صريحاً بالحرب أو تسليم مصر للتتار، على إثر الرسالة عقد قطز مجلساً ضمّ كبار الأمراء والقادة والوزراء وبدؤا مناقشة فحوى الرسالة، كان قطز مصمماً على خوض الحرب ورافضاً لمبدأ التسليم، وقال قطز مقولته لما رأى من بعض الأمراء التراخي في مواجهة التتار: «أنا ألقى التتار بنفسي»، ثم قال: «يا أمراء المسلمين لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين فى رقاب المتأخرين»، وقال: «من للإسلام إن لم نكن نحن»، بعد هذه الكلمات أيد الأمراء المماليك قرار قطز في المواجهه، ثم قرر قطز أن يقطع أعناق الرسل الأربعة الذين أرسلهم هولاكو، وأن يعلق رؤوسهم على باب زويلة في القاهرة، وذلك بعد أن استشار ركن الدين بيبرس الذي قال: «أرى أن نقتل الرسل الأربعة ونقصد كتبغا قائد المغول متضامنين، فإذا انتصرنا أو هزمنا فسنكون في كلتا الحالتين معذورين».

< هولاكو بعد الهزيمة

حاول هولاكو أن يثأر لهزيمة جيشه في عين جالوت، ويعيد للمغول هيبتهم في النفوس؛ فأرسل جيشا قويا إلى حلب فأغار عليها ونهبها، ولكنه تعرّض للهزيمة بالقرب من حمص في المحرم (659هـ = ديسمبر 1260م) فارتد إلى ما وراء نهر الفرات.

< اتصالاته مع أوروبا

حاول هولاكو إنشاء تحالف مع أوروبا ضد المسلمين، ففي 10 أبريل 1262 أرسل رسالة للملك لويس عن طريق جون الهنغاري. إذ كانت الرسالة قد وصلت للملك لويس، كما أن النسخة الوحيدة المعروفة من الرسالة بقيت في فيينا بالنمسا. على أية حال فلقد أظهرت الرسالة نية هولاكو في أن يقوم بغزو القدس من أجل البابا، وطلب من لويس أن يهاجم مصر عن طريق البحر المتوسط بواسطة أسطوله.

< وفاته

في عام 1265 م، مات هولاكو ودفن في جزيرة جزيرة أسلامي في بحيرة أورميا، وكانت جنازته هي الجنازة الوحيدة لأحد الخانات التي شهدت التضحية بنفس بشرية. وخلفه ابنه أباقا.