حروب «الجيل الرابع»

شاعت مقولة في الوسط الإعلامي «الجيل الرابع من الحروب» وصارت أداة لتبرير وتفسير كثير مما جرى في الدول العربية، من انتفاضات شعبية وصراعات، علاوة على بعض المشكلات المزمنة التي سبقت زمنياً ظهور هذه المقولة لأول مره عام 1989 على يد الجنرال الأميركي وليم لاند، والذي حاول من خلالها تبرير الفشل الأميركي في مواجهة بعض الجماعات الإرهابية عبر العالم.
وقتها لم يهتم الخبراء الاستراتيجيون العرب على كثرتهم بما كتبه لاند، لكنهم أعادوا اكتشاف مقولة الجيل الرابع من الحروب منذ سنوات قليلة، واشتد حماسهم فتحولت إلى نظرية صالحة لتفسير الربيع العربي، وانهيار الدولة في اليمن وسورية وليبيا، والمؤامرات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية. لقد صار الخوف من تحديات وآثار حروب الجيل الرابع بمثابة فزاعة تستدعي عند البعض مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وتضييق المجال العام، حتى نأمن من هذه النوعية الجديدة من الحروب التي يخوضها أطراف غير متماثلين ويعتمدون على قوة وسحر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والأخبار الكاذبة والحرب النفسية، تلك الوسائل– وفق رأيهم- قادرة على غزو العقول والتلاعب بالقلوب والمشاعر، وبالتالي هزيمة الشعوب قبل الجيوش أو هزيمة الدول من دون حرب.

وفي إطار موجة الحماس لمقولة الجيل الرابع من الحروب تحدث بعض الخبراء العرب عنها كنظرية، على الرغم من عدم اختبارها أو الاعتراف بها في الأوساط العلمية والعسكرية، ثم تحمس بعض الخبراء العرب وابتكروا مقولة الجيل الخامس من الحروب، وهو جيل لم يرد ذكره في المراجع الغربية أو الروسية!! وأشار أحد الباحثين العرب إلى الجيل السادس وإرهاصات ظهور جيل سابع من الحروب!! والحقيقة أن تقارير حلف الناتو الحديثة تناقش خصائص الحرب الإلكترونية أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الحرب الهجين، بينما يتحدث ويتدرب الروس على ما يطلقون عليه حرب المعلومات، ولم يظهر على نطاق واسع سواء داخل أميركا أو خارجها مفهوم أو مقولة الجيل الرابع من الحروب!! والثابت أن هناك اتفاقاً واسعاً في الدراسات الاستراتيجية حول ظهور بيئة أو بعد جديدة للحرب هو الفضاء الإلكتروني، وهو مختلف عن الأبعاد أو البيئات التقليدية الأربعة (البر والجو والبحر والفضاء)، ومع ذلك يشترك معها في بعض الخصائص، إلا أنه يعتمد في شكل رئيس على المعلوماتية وثورة الاتصالات والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وهنا أود أن يشاركني القارئ في التفكير:
أن هناك من يرى أن تطور الحروب عبر التاريخ هو نتيجة طبيعية لتطور التكنولوجيا وفن الحرب وتنظيم الجيوش والتدريب، ومن ثم لا يوجد مبرر أو سبب منطقي لتقسيم الحروب إلى أجيال أو موجات، فهناك تواصل وامتداد في المفاهيم والعمليات العسكرية، وقد عرفت البشرية حروب المعلومات والحروب النفسية وإطلاق الشائعات منذ ظهور المعارك الأولى بين الجماعات البشرية، كما عرفت أيضاً أشكالاً مختلفة من الحروب النظامية وحروب العصابات، إضافة للحروب النفسية، المعنى أن الحرب الهجين كانت معروفة في أشكال أقل تطوراً مما هو معروف حالياً، والمرجح أن تطور تكنولوجيا الاتصال والإنترنت وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي قد وسع من فرص ظهور وانتشار حروب المعلومات أو الحرب الهجين والتي تستخدم المعلومات والشائعات للتأثير في الشعوب والجيوش، كما تستهدف تدمير أو التلاعب بالبنية المعلوماتية التي تعتمد عليها الدول في إدارة كل مناحي حياتها بما فيها الإعلام والتعليم والصحة والنقل والمواصلات والعمليات العسكرية.