12 الف لاجئ سوري من الأقليات المسيحية واليزيدية.. والبعض غير راضٍ

بقلم بيار سمعان

 

ارتفعت اصوات من الجاليات المسلمة تعترض على قرار حكومة آبوت نقل 12 الف لاجئ سوري وعراقي للاقامة الدائمة في استراليا. ولم يكن الاعتراض على حجم اللاجئين بل بسبب الانتماء الديني لهم، اثر اعلان الحكومة ان هذه المجموعة ستشمل الاقليات المسيحية واليزيدية وبعض الدروز، وتعتبرهم الحكومة معرضون لخطر الابادة.
وباعتقادي ان حكومة آبوت قد نجحت في الترويج المسبق لقرارها هذا بعد ان استمعت الى آراء الاحزاب المعارضة كما اصغت الى آراء واقتراحات نواب الإئتلاف واعضاء في الحكومة.
الوزير مالكولم تيرنبل والوزيرة جولي بيشوب تحدثوا مراراً عن الحاجة الى قبول السوريين المسيحيين واليزيديين العراقيين. والسيناتور جورج كريستانسون اعلن ان المسيحيين المضطهدين في سوريا والعراق هم اولوية. وسانده السيناتور آريك آبيتز مطالباً بأولوية اللاجئين المسيحيين.
وعلى اثر مشاورات مطولة مع قيادات سياسية ومرجعيات دينية ومحادثات مع هيئة اغاثة اللاجئين في جنيف، اعلنت حكومة آبوت انها ستمنح تأشيرة دخول لـ 12 آلف لاجئ سوري وعراقي ومنح 44 مليون دولار لغوث اللاجئين.
– موقف بعض المسلمين
انبرى بعض القيادات الاسلامية ليشنوا حملة على موقف حكومة آبوت وخياراتها حول نوعية اللاجئين، بعد ان شيع انها ستشمل اغلبية من الاقليات المسيحية واليزيدية، واثر ايحاءات غير مباشرة انه لا يُرغب بدخول المسلمين الى استراليا ضمن هذه المجموعة.
وصرح احمد الكيلاني ان لا احد يسأل انساناً يغرق حول انتمائه الديني اذا رغبت بمد يد المساعدة اليه لإنقاذه. ووصف ايحاءات الحكومة انها تروج للتمييز والعصبية، وهذا خيانة لروح استراليا الصحيح، مذكراً ان ملايين المواطنين من مختلف الديانات والمذاهب هم مشردون ولاجئون في اسوأ كارثة انسانية معاصرة.
واثنت مهى العبد وهي عضو في الهيئة الادارية لجمعية المرأة المسلمة على هذا الرأي مؤكدة ان تفضيل فئة على اخرى على اساس العرق او الدين يخالف فلسفة استراليا القائمة على التسامح وقبول الآخر. وطالبت اسقف سدني للكاثوليك ان يعيد النظر في آرائه حول اولوية مسيحيي الشرق الاوسط ضمن اللاجئين.
غير ان جمعيات ومؤسسات دينية شرق اوسطية غير مسلمة ترى ان مسيحيي الشرق الاوسط يتعرضون للابادة المنظمة في اماكن عيشهم. وطالبت الجالية الآشورية ان تعمل الحكومة اي شيء صالح لمساعدة المشردين المسيحيين.
فهل فعلاً يتعرض مسيحيو العراق وسوريا للاضطهاد بسبب انتمائهم الديني ولماذا لا يرغب بعض الاستراليين بدخول المزيد من المسلمين ؟ وما هي اسباب هذا التمييز وهل من مبررات لدى الحكومة لاتخاذ هذا القرار؟
< خطر إبادة المسيحيين
لا يختلف اثنان في العالم اليوم ان المسيحيين في الشرق الاوسط يتعرضون لعملية الابادة المنظمة. مئات الآلاف منهم ارغموا على النزوح من العراق وسوريا امام زحف قوات داعش المتطرفة التي تسعى يومياً الى ازالة كل المعالم المسيحية وغير المسيحية التي لا تتلاءم مع توجهاتها العقائدية. هذا الوجود المسيحي الذي يعود تاريخه الى بداية المسيحية الاولى والمتجذر في الارض والتاريخ والتراث الثقافي يجري اقتلاعه على مرأى من العالم .
ومنذ اقتلاع الرئيس العراقي صدام حسين وبداية الصراع السني الشيعي، او الايراني – العربي، دفع المسيحيون ثمناً غالياً لهذه النزاعات الدموية وغادر العراق ثلثي المسيحيين، ثم جاءت قوات «داعش»لتنهي هذا الوجود بكل ابعاده الايمانية والانسانية والتاريخية.. ولم يبق سوى 500 الف مسيحي هناك.
ومع انطلاق النزاع في الداخل السوري تعرض الوجود المسيحي في سوريا لموجة من التهجير وتهديد حياتهم. وقامت قوات «داعش» و«النصرة» بعملية ترهيب لم ترحم طفلاً ام امرأة او عجوزاً.
ولم تخجل قوات «داعش» من نشر صور وافلام الفظائع التي نشرتها بشكل مبرمج على شبكات التواصل الاجتماعي وعرضوا افلام القتل والذبح والتعذيب على اليوتيوب. واعلنت الدولة الاسلامية صراحة ان المسيحيين او النصارى (ن) هم مواطنون من الطبقة الثانية عليهم ان يدفعوا الجزية او يعتنقوا الاسلام او يقتلون… هكذا بكل بساطة ، وعلى مرأى ومسمع العالم بأسره.
< موقف الدول العربية والاسلامية من ظاهرة اللاجئين
وحدها دول الجوار، اي لبنان، الاردن وتركيا استقبلت ملايين المهجرين واللاجئين، فيما رفضت الدول الاخرى استقبال اي لاجئ. وشاهد العالم عبر وسائل الاعلام، مشايخ واثرياء الدول النفطية يبتاعون الفتيات تحت ستار الرأفة.
ورفضت دول الخليج على لسان اكثر من متحدث رسمي استقبال اللاجئين بحجة انهم يعانون من الازمات النفسية ويصعب علاجهم في دول الخليج.. ولأن الحياة ملكفة هناك، ومن الافضل ان يذهبوا الى الاردن او لبنان.. او اي بلد آخر.
كل ما سمعناه مؤخراً بعد ان فتحت اوروبا ابوابها ومنازلها واديرتها لاستقبال اللاجئين، ان بعض دول الخليج تبرعت ببناء مساجد لهم. حتى بلاد الاسلام اقفلت ابوابها بوجه اللاجئين المسلمين من سوريا والعراق.. ونسمع اصواتاً في استراليا تطالب بانصاف اللاجئين المسلمين ومعاملتهم بالعدل والرأفة والانسانية…
وكأن استراليا لم تقدم التبرعات لمساعدتهم (320 مليون دولار حتى اليوم) ولم ترسل الوفود الطبية لمعالجة مرضاهم!!
ان التغاضي عن هذه الحقائق فيه الكثير من التجني وقلة الموضوعية وعدم الاعتراف بالجميل.
< مبررات الحكومة
اعلن مؤخراً مركز PEW للأبحاث الاستراتيجية الدولي ان المسيحيين يواجهون الاضطهاد الديني في العديد من دول العالم، اكثر من اية مجموعة دينية اخرى. وهذا الاضطهاد تسبّب بخفض عددهم، خاصة في دول الشرق الاوسط، حسب ما نشرت صحيفة نيويورك تايمز، وان اوضاعهم هناك تسير من سيءالى اسوأ. وبعد ان توسعت رقعة الدولة الاسلامية ارتفعت حدة اضطهاد المسيحيين في سوريا والعراق.
وصرحت النائبة الاميركية عن الحزب الديمقراطي في كاليفورنيا آنا إيشو ان مسيحيي الشرق الاوسط هم مهددون بالانقراض. اما في سوريا فقد غادر 600 الف مسيحي البلاد بحثاً عن ملاذ آمن.
بالمقابل، يعيش في استراليا اليوم، حسب احصاء 2011 حوالي 476،290 مواطناً مسلماً، ويؤلف مجموع المسلمين 2،2 بالمئة من تعداد سكان البلاد. ولد 38 بالمئة منهم في استراليا بينما ولد 40 بالمئة منهم في دول جنوب آسيا والشرق الاوسط.
وتضم الجاليات الاسلامية نخبة يحتذى بها من خيرة الناس ثقافة وخلقاً ومراكز اجتماعية ومساهمة فاعلة في الاقتصاد والتكوين الثقافي في استراليا لكن بالمقابل تضم ايضاً مجموعات ترفض التكيف داخل المجتمع ولا تقبل بنظامه وقوانينه الا ما يتلاءم مع مصالحها الشخصية، وبعضها يعيش على هامش المجتمع.
وتشير احصاءات المؤسسات الاصلاحية ان نسبة 9،3 بالمئة من عدد المساجين في استراليا هم للاسف الشديد من المسلمين، وفي فيكتوريا تبلغ هذه النسبة 8 ٪ من اصل 6300 سجين في الولاية.
وتدرك الحكومة والمؤسسة الامنية نوع وحجم السلوك الاجرامي المنظم واعمال الشغب واطلاق الرصاص والتصفيات التي تقوم به بعض المجموعات التي تجاهر بانتمائها الديني.
نتذكر جيداً عندما نشرت آزيو امام رئيس الوزراء ووسائل الاعلام خريطة للتطرف واحتمال وقوع اعمال ارهابية في مدن استراليا. وتبين للاسف الشديد ان المناطق ذات الكثافة المسلمة هي مناطق خطر حسب المعلومات المخابراتية، وهي تحت مراقبة القوى الامنية.
وعودة الى الماضي القريب، نتذكر جيداً عندما نقلت الحكومة الاسترالية 600 عائلة افغانية وجميعهم من المسلمين، ابان انسحاب القوات الاسترالية من افغانستان .
لم نسمع عندئذ اي معترض على نقل هذا العدد الضخم دفعة واحدة. لا بل سارعت المؤسسات الحكومية والخيرية لمدّ يد العون لهم وتوفير المساعدة اليهم لكي يتمكنوا من الاقامة المريحة في وطنهم الجديد. ان حسن التكيف داخل المجتمع هو المقياس الاساسي.
اختم لأقول: ان نجاح اية جالية اثنية او دينية، مسيحية او مسلمة هو بيد ابنائها. فان اختار المسلمون ان يندمجوا في المجتمع الاسترالي ويتكيّفوا معه ويقبلوا نظامه عن قناعة وبكل احترام، فانهم يعيشون بسعادة ويقبلهم الجميع بالترحاب… اما غير ذلك فلن يثمر سوى الاعتراضات ضدهم والمزيد من التطرف لمواجهة تطرف بعضهم، وقبل ان نتهم الآخرين علينا معالجة اخطائنا اولاً.
pierre@eltelegraph.com