خصوصية النظام السياسي الفلسطيني

> بقلم سمير الزبن

يمكن القول إن ولادة النظام السياسي الفلسطيني من جديد بعد النكبة، كانت على يد العرب بقرار قمة عربي بإقامة منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964، وتمت «فلسطنة» المنظمة في 1969، باستلام الفصائل الفلسطينية المسلحة زمام القيادة في المنظمة. وقد تم التعامل مع المنظمة بوصفها تجسيدا للكيانية السياسية الفلسطينية، أو «الوطن المعنوي» للفلسطينيين. كما تم بناء مؤسسات المنظمة وهرميتها: رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واللجنة التنفيذية والمجلس المركزي والمجلس الوطني الفلسطيني والقضاء الثوري والدوائر المرتبطة بها، ومؤسسات أخرى أهمها القوات المسلحة، ومؤسسات للاستثمار المالي، وغيرها من المؤسسات التي تم بناؤها بالاستعانة بنموذج الدولة الهرمي.

كانت انطلاقة العمل الفلسطيني المسلح بمثابة ولادة جديدة للفلسطينيين، بعد عقدين من الكارثة التي أدخلتهم في الغياب، وكان النضال الذي دشنته حركات المقاومة يهدف إلى الخروج من الغياب الذي عانوه طويلا. وكان ذلك يعني ولادة النظام السياسي الفلسطيني ولادةً مشوهةً بحكم واقع حال الشتات الفلسطيني، والذي عانى من مشكلاتٍ بنيويةٍ خاصة بالتجربة الفلسطينية. وتستخدم المقالة هنا تعبير النظام السياسي الفلسطيني استخداما خاصا، حيث لا يوجد مثل نظام كهذا في ظل مجتمعات أخرى، أو عند شعوب أخرى. وفي جميع الحالات، فإن أي نظام سياسي يفترض معطيات قائمة على جغرافية سياسية موحدة، وسلطة سياسية تدير هذه الجغرافية السياسية، والتي تحتكر ممارسة العنف على الوجود البشري في هذه الجغرافيا السياسية، ووجود مؤسسات مترابطة تدير هذا المجتمع… إلخ من المعطيات التي يمكن اختصارها بتفاعلاتٍ سياسيةٍ اقتصاديةٍ اجتماعيةٍ داخل نطاق جغرافي. يربط التعريف التقليدي للنظام السياسي النظام السياسي بالدولة، والذي يعني شبكة العلاقات في الدولة هي التي تخلق النظام السياسي، عبر تفاعل السلطات الثلاث: تنفيذية وتشريعية وقضائية، وآليات تنفيذها وظائفها وحل خلافاتها في حال التصادم.

ومهما كان الأساس الذي ينطلق منه تعريف النظام السياسي، فهو يشترط أراضيَ جغرافية مجالا لهذا النظام السياسي. وعلى هذا الأساس، فإن الحديث عن النظام السياسي الفلسطيني يقصد به هنا شبكة التفاعلات السياسية الفلسطينية بين أماكن الوجود الفلسطيني. وإذا كان مفهوم النظام السياسي يشير، بشكل أساسي، إلى الطريقة التي تتم بها إدارة السلطة السياسية في الدولة، من خلال تداول السلطة السياسية عبر التنافس السياسي، أو عبر وقف عملية التداول بوجود سلطةٍ شموليةٍ تحتكر الفعل السياسي. فإننا نستخدم النظام السياسي بمعنى شبكة التفاعلات السياسية الفلسطينية العابرة للتجمعات الفلسطينية في أماكن وجودها. وإن كان هذا لا يتطابق مع ما استقر عليه المفهوم في علم السياسة أو علم الاجتماع، فإنه يتطابق مع التجربة الفلسطينية وخصوصياتها وتشوهاتها. وكذلك نستخدم مفهوم الحقل السياسي، والذي يشمل خضوع مواقع مختلفة لتأثيرات متباينة، بحكم الشتات الفلسطيني الموزع على الدول العربية، إضافة إلى إسرائيل والضفة الغربية وغزة، لكنها معنية بالتفاعلات التي تجري داخل الحقل السياسي الفلسطيني، بحكم انتمائها الفلسطيني. هذا التحويل لمعنى المصطلحات قمنا به من أجل تكييفها مع الحالة الفلسطينية الخاصة، ومن دون ذلك، تكاد التجربة الفلسطينية تكون مستحيلةً في إطار التحليل النظري، لأن فيها من الخصوصيات والتشوهات الكثير الذي يتصادم مع نماذج التحليل المستقرة التي أسست لها العلوم السياسية والاجتماعية. وهذا لا يعني أن التجربة الفلسطينية كانت ضد قوانين الاجتماع البشري، بل على العكس كانت في سياقه، وكونها تجربةً حصلت وتحولت إلى حقائق تاريخية، فهي جزءٌ من تجربة الاجتماع البشري، فالحقائق السوسيو ـ تاريخية قد جعلتها ممكنةً، وبالتالي قابلة للدراسة. عانت الساحة الفلسطينية علاقات عنف وتسلط، لقد تسلطت القيادات الفلسطينية على الشعب الفلسطيني، من دون أن تكون هناك إمكانية لأنْ يحاسبها، أو أن يؤثر فيها. وقد يبدو هذا التوصيف غير صحيح، لافتقاد القيادات أدوات السلطة العنيفة الإكراهية. ولو أنها استخدمت هذا النوع من السلطة على أجزاء من الشعب الفلسطيني، في تجربتي الأردن ولبنان، إلا أنه ليس هذا العنف الذي نقصده ولا تلك السيطرة. بدلا من استخدام أشكال العنف الظاهرة، والتي لم تكن ممكنةً في الساحة الفلسطينية قبل تجربة أوسلو، أي أشكال العنف الممأسسة للسلطات القائمة، فقد تم استخدام أشكال العنف الخفية أو الرمزية، فقد استطاعت القيادات الفلسطينية اختراق التجمعات الفلسطينية بعلاقات السيطرة، بواسطة ممارسات متعدّدة الأشكال، ممارسة السيطرة في عدد من الميادين، وفرت لها سلطتها على هذه التجمعات. وقد وفر لها احتكار الرموز الوطنية إمكانية هذا التأثير بسلطتها الرمزية على الآخرين، من خلال إخراجهم من «الحقل الوطني» في أوقات الخلاف معهم، باعتبارهم أعداء الحقوق الوطنية الفلسطينية. وبذلك مارست أنماطا مختلفة من السلطة على التجمعات الفلسطينية، من أجل توكيد سيطرتها سيطرة مشروعة. وكانت هذه السيطرة مهمةً لهذه القيادات، بقدر ما تؤمن ممارسة السيطرة «بلطف»، لعدم خضوعها لسلطتها الإكراهية، فالعنف يمارس بشكل خاص في حقل رمزي، لكنه فعّال، فعلاقات السيطرة ليست اقتصادية وعنفية فحسب، بل هي علاقات قوة وسيطرة على المعاني والرموز. ونستخدم السلطة هنا بمفهومها الفيبري، والتي تعني القدرة على فرض الإرادة على الغير. ومن أجل هذه السيطرة، تم إعطاء هذه السلطة معناها الرمزي حتى مداه، دعمت القيادات الفلسطينية منظمة التحرير بوصفها تنظيمها البيروقراطي الذي يوفر لها أدوات السيطرة الرمزية بشكل أساسي، إضافة إلى فصائلها الخاصة. ولأن كل تنظيم بيروقراطي هو نسق تنظيمي، يقوم على آليات توازن، وعلى وجود سلسلة من الحلقات المفرغة المستقرة نسبيا، وتتم تقويتها في مناخٍ من التعميم والمركزية. وفي هذه المناخات، يتبارى الأفراد في خدمة التنظيم من خلال خدمة الفرد الذي يقرّون له بالولاء، ويساهمون في التنظيم من خلال هذا الولاء، والذي يشكل الأصول الحقيقية للعلاقة بين القائد والكادر، وليس النظام الداخلي النظري. وضمن هذا المنظور الاستراتيجي للعلاقة بين القيادة والكوادر، ينبغي النظر إلى السلطة في التنظيم كأنها ملكية شخصية. ومن هنا، ليست معطيات القوة معطيات يمكن للجميع الوصول إليها تنظيميا فحسب، بل هي حصرا لصاحب الملكية لهذا المنصب، وبالتالي يبقى توازن القوة على حاله زمنا طويلا، ولذلك لم يكن غريبا عندما سمى الفلسطينيون فصائلهم على أسماء قادتها الذين قبعوا على قمة الهرم التنظيمي عقودا طويلة، فليس من الجديد القول إن السلطة علاقات قوة، وعندما لا تكون تبادلية، فإنها قوةٌ ينال أحد الأطراف أكثر من الطرف الآخر، بحيث لا يفقد منصبه أبدا. وهذه العلاقات هي التي حكمت منظمة التحرير في ائتلاف فصائلها، وأعطت تناسب قوةٍ غير قابل للاختراق بين الفصائل الكبيرة والصغيرة من داخل الإطار ذاته، وكذلك كان التوازن داخل كل فصيلٍ على حدة.