مشاهد من قرب!…

مهما قلنا عن الديمقراطية في استراليا وممارستها حتى العظم لا نفي هذا البلد العظيم حقه في توفير الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي لفئات الشعب كافة ومن بينهم اهل السياسة.

بالأمس القريب انتقل طوني آبوت من رأس السلطة الى المقاعد الخلفية ليس لأن الشعب خلعه من السلطة بل لأن حزبه صوّت بغالبية معينة ضد استمراره في رئاسة الحزب ورئاسة الدولة.

وبالأمس القريب ايضاً شاهدنا وبأم العين كيف ان السيدة مارغي آبوت تحمل بنفسها الصناديق التي تحتوي الأشياء الخاصة بعائلتها من المنزل الرسمي لرئاسة الدولة في كيريبيلي  في سيدني.

هذا هو مفهوم السلطة هنا وفق الأسس الديمقراطية والمثل يقول  «لو دامت لغيرك ماوصلت اليك». فكما ذهب آبوت سيذهب تيرنبل في وقت ما ولكن الدولة الاسترالية بقيت وستبقى سالمة طالما لم ينخرها الفساد ولم تذبحها السياسة.

وانا اكتب هذه السطور وقد وصلت الى بلدنا الأم لبنان الذي مهما جرى يبقى محفورآً في قلوبنا وتبقى تلك الأشياء والذكريات الجميلة تشدنا اليه من كل اصقاع الأرض.

اول ما خطر في بالي ليس فقط منظر النفايات الشنيع الذي نغّص على اللبنانيين والمغتربين فصل الصيف الذي يحب الناس تمضيته في وطن الأرز، انما الشعور بالأسى والحسرة على شعب يعاني كل انواع العذاب في وقت يستطيع ان يستند الى الانتشار ليقوى ساعده لو توافرت له دولة تؤمن الحد الأدنى للمغترب كي يعود و يستثمر ويصرف اموالاً طائلة في وطنه.

وثاني ما خطر في بالي هو الشعور بالاحباط من مسؤولين يورِّثون السلطة لأبنائهم ولأبناء ابنائهم و للأقربين في وقت رأينا كيف تحول رئيس دولة استراليا بين ليلة وضحاها الى رئيس سابق لا سلطة له اكثر من السلطة على داخل منزله.

مؤلم جداً الشعور بأن شعوبنا في المنطقة لم تتعلم ولن تتعلم، ومؤلم اكثر ان السياسيين ما زالوا يفكرون في عصر التطور والتكنولوجيا والفايسبوك، بأنهم يستطيعون قيادة الشعوب العربية بالعقلية نفسها وبالطريقة نفسها وبالظلم نفسه الذي قاد الى انهيار عدد من الدول والانظمة، وادى الى ما ادى من دمار وخراب وخسائر في الارواح لا تعد ولا تحصى.

في اي حال، لن ينفعنا كثيراً الوقوف على اطلال الوطن الممزق او الأوطان الممزقة، انما ما يفيد هو ان ننقل تجربتنا في استراليا الى اوطاننا وممارسة هذه التجربة  بكل حزم من دون اي استزلام.  اما اذا بقينا على التفكير ذاته من التبعية فلن نصل في عشرات الآلاف من السنين الى ربع ما وصلت اليه استراليا في نيف ومئتي سنة.

سايد مخايل

sayed@al-anwar.com.au