عالم مشتت

كلمة رئيس التحرير / سام نان

كنت سائراً في الطريق وشاهدتُ الناسَ في كل مكان يتحركون في صمت، يجلسون في صمت، يشتغلون في صمت وحتى الأحباء.. في صمت…

وما أن نظرت لأياديهم إلا وجدتُ شيئاً واحداً! هواتف، آي باد، تابلت، لاب توب، بلاك بيري.

وأشياء أخرى لا أعرف أسماءها..

كلهم منشغلون بها، فقلتُ في نفسي: ليس من جديد، فأنا أستخدم هاتفي وأنا في المطعم أو القطار، لكن لأنني وحدي ولا أحد ليتحدث معي، لذلك.. ما ادهشني فعلا هو مشهد الأحباء، وهم في جو «المفروض» أن تملأه الرومانسية، هم أيضاً منشغلون على الهواتف، وخشية الملام.. بين الحين والآخر يقبلان بعضهما بقبلة باردة… ثم يعود كل منهما لأدراجه.. (الهاتف).

ماذا حدث للناس؟ لقد صار العالم مشتّتاً، فقدنا الحسّ اللغوي، فقدنا تعبيرات الوجه، فقدنا احساس كل واحد بالآخر. وتحولت كل اللغات الإنسانية إلى لغات برمجية.

لماذا لم يسأل الزوج عن مشاعر زوجته؟ لأنه منشغل بما هو أهم بالنسبة له، وهو الموبايل، اللاب توب أو غيره.

لماذا لم تسأل الأم أولادها عن شؤونهم؟ صارت منشغلة بالفيسبوك والتويتر والانستغرام.

لماذا نسي الأولاد أن لهم أبوين مرشدين؟ لأن المرشد الحقيقي لهم صار الفيسبوك واليوتيوب والواتس آب.

أنا لست ضد التكنولوجيا، ولكنني ضد أن تسرق التكنولوجيا مشاعري، فلو لم أضع يدي على شعر زوجتي وألاطفها، كيف ستشعر أني موجود؟

لو لم احتضن أولادي بحضن دافئ .. كيف سيشعرون بأبوتي وعطفي وحناني عليهم؟

لو لم أتبادل النظرات مع صديقي المتحدث معي.. كيف سيشعر باهتمامي لحديثه؟.

لقد تشتتنا، وصارت التكنولوجيا هي كل شيء لنا لدرجة أنها طمت مشاعرنا، فلا تستغرب يا صديقي عندما تسمع عن رجل طلق امرأته، أم أولاده لأنه أحب «روبوتاً امرأة» ويمارس معها الحب بطرق أفضل.

لا تستغرب إن تركت امرأة رجلها من أجل روبوت رجل لأنه يستمع إليها أكثر من زوجها ويفكر دائماً في إسعادها، «حيث إنه مبرمج على ذلك».

حقيقي هو عالم أضحوكة.. انقسم العالم وتشتت، وصار عبداً للتكنولوجيا التي أثقلت اللسان عن الكلام لأن المشاعر صارت تُنقل عبر الإشارات.

هؤلاء راحوا في تيار التيه والانشغال بعالم آخر وهو ما فوق الطبيعة والواقع الافتراضي وال 3D والمستقبل المتوقع عبر شاشات الحلم الآتي، فكيف نوقظهم من أحلامهم ونقول لهم أن التكنولوجيا خُلقت من أجل الإنسان وليس الإنسان من أجل التكنولوجيا.

علينا أن نوقظهم ونقول لهم “افهموا.. التكنولوجيا وسيلة وليست غاية”

استخدم التكنولوجيا كما تشاء، ولكن لا تدع التكنولوجيا تستعبدك وتميت مشاعرك أو توجهها حيث تشاء هي.

انتبه! فواقعك بآلامه وأفراحه، هو أفضل من الواقع “الافتراضي”.