الهجرة إلي الذات


كلمة رئيس التحرير/ سام نان

يحب السفر والترحال، ولكنه لا يطيق البعاد طويلاً عن الوطن، يضيق بأشياء تخاصم المعقولية، ويغلى السكوت ويفكر فى الهجرة من كثرة الضيق فيرحل وهو صاحب الأرض؟! فالمواطن ملتصق بالأرض التي هي العرض، والتي علمته الفلاحة الارتباط الوثيق وبهائمه، ولكن الهجرة  عند الضرورة القصوى، حين تستحيل الحياة ويضيق الرزق وتشكو الأحشاء، ولعل أشد أنواع الهجرة هي «الهجرة إلى الذات»، حيث لا تغادر القفص الصدرى، إنها هجرة من نوع خاص يلجأ فيها المرء إلى الذات يحتمى بها ويلوذ لها. ففي الثورات، في وسط عواصف العمليات الإرهابية وبعد أن طفح الكيل على السطح، لن تجد مكانا أمينا تلجأ إليه.. سوى نفسك، حينذ تقرر الهجرة الداخلية، فتبتعد عن الناس ويصير بيتك هو قلعتك.

وفى كثير من الأوقات يهرب الإنسان من الواقع إلى خيال افتراضى.. ويفضّل الوحدة ويشعر أنها «خير من جليس السوء»، أحياناً يكون السفر حلاً ولكنها أسفار سريعة قصيرة لا تتجاوز أياماً، وتنطوى على هجرة بسبب الشعور «بالغربة»، حين يصر الصغير على عدم توقير الكبير! حين يعذب القادر القوى ضعيفاً! حين يعلو صوت رئيس عمل بحكم سلطاته على مرؤوسيه ويصفع المرؤوس بالصمت النازف بالشكوى الداخلية غير المُعَبّر عنها، حين تتعدد صور البلطجة بلا رادع! حين تطفو الطائفية على السطح وتأخذ صوراً مختلفة من العنف، حين يستقوى الثرى بأمواله وليس بالقيم! حين يعترض شباب جائع فتاة آمنة عائدة إلى بيتها بعد ساعات عمل!، حين تهدر الأنوثة وتصير دعارة، حين يقل الاحترام فى السلوكيات! حين يفكر المرء في أن يأخذ حقه بيده لا بالقانون، حين أدخل يكون هناك إهمال في المستشفيات قد يودي بحيلة المريض وحين أرى شباباً قادراً على العمل ولكنه اختار تصنّع البطالة لكسب الدخل الحكومي وفي الوقت نفسه يعمل صفقات سريعة تدر عليه مكاسب إضافية على ما يسرقه من الدولة.

هذه الصور تجعلنى أُسرع بالهجرة إلى نفسي وتجعلني أتساءل: هل نحن فى حاجة للتثقيف؟.

أبدو كمن يسكن فى جزيرة، أطارد الأصوات العالية، ولا أدخل مناطق إزعاج، وكأنني أمتلك وقتى فى هذه الهجرة المؤقتة، فبعد قليل أعود للحياة الطبيعية والصخب وأكون كـ «مهموم بهموم العيش» غاية ما أستطيع هو كيف يمكن بالكلمات أن أرفع منسوب الوعى، لو لم «أهاجر» مؤقتاً لفشلت فى بث كلماتى، الهجرة تمنحنى فرصة للتأمل والتألم فى وقت واحد، هناك قول مأثور يقول «الوزير عند البحيرة» ومغزاه أن الوزير يفكر بخيال بعيداً عن محدودية المكتب وحدوده.

إنها «هجرات» متقطعة تمتص غضبى مما أرى، ولا أحن للزمن الجميل، فقد صار فعلاً ماضياً، وأنا مهاجر فى المكان والزمان الواحد، أتكئ على عصا الرشد لأفهم وأحلل ما أرى بلا غضب جارف، فقط أذوب مع الكيان دون أن أفقد توازنى!.

Email: sam@al-anwar.com.au

Ph: 61449146961