تكنولوجيا طبية تساعد في ابتكار خلايا عصبونية للمخ

عندما يتعلق الأمر بسريان أي أنباء في «وادي الطب» تعلن عن اقتراب التوصُّل إلى إنتاج أدوية جديدة أو ابتكار تقنيات علاجية غير مسبوقة، فإن المرضى عموما – وأصحاب الأمراض المزمنة وذويهم خصوصا – يرحبون دائما بمثل تلك الأنباء باعتبارها بشائر تبعث في أنفسهم روح التفاؤل وتحيي لديهم الأمل في الشفاء واستعادة التمتع بتاج الصحة والعافية.لكن طبيعة الأمور تجعل كل نسمة «تفاؤل» تهُب في ذلك الوادي تأتي عادة محمّلة بما يثير شكلا من أشكال «التساؤل» حول ذلك الدواء الجديد المرتقب أو تلك التقنية العلاجية، وهو التساؤل الذي قد يعبّر عن هواجس أو مخاوف من قبيل: هل ستكون النتائج ناجعة فعلا كما يبشرون، أم ستكون منقوصة مثلما يتبين في كثير من الحالات عند التطبيق الفعلي؟ وهل سيكون الدواء المستقبلي بلا مضاعفات جانبية غير مرغوبة، أم أن مضاعفاته ستفسد متعة وجدوى فوائده العلاجية؟ وهل سيكون هذا الذي يبشرون به في متناول استطاعتي المالية، أم ستكون تكاليفه باهظة جدا إلى درجة لا يقدر عليها إلا الأثرياء؟
وفي تلك المسافة المعتادة الفاصلة بين «التفاؤل» و«التساؤل»، نسلط الضوء بإيجاز في التالي على مختارات من الابتكارات والتقنيات الطبية الواعدة والمدهشة التي مازالت قيد البحث والتطوير ومن المتوقع لها أن تُبصر نور التطبيق إما في المستقبل القريب و إما المتوسط:• خلايا دماغية… من البول!
قد يبدو الأمر ضرباً من ضروب الخيال الشديد الغرابة، لكن ما حصل فعلياً هو أن باحثين قد نجحوا في التوصل إلى تقنية لتحويل بعض مكونات البول إلى خلايا دماغية بشرية!
ففي «معهد غوانغزهو للطب الحيوي والصحة» في الصين، قام علماء بيولوجيون باستخلاص خلايا معينة من البول البشري ثم قاموا بتعديلها مستخدمين نوعا معينا من الفيروسات يعرف باسم «الفيروسات القهقرية» (retroviruses)، وذلك من أجل تخليق ما يسمى بـ«الخلايا الإنشائية» التي تشبه الخلايا الجذعية في كون الجسم يستخدمها كوحدات اساسية لبناء خلايا المخ.
ويقول أولئك العلماء إن الميزة الأهم لهذه التقنية الثورية الجديدة تتمثل في أن الخلايا العصبونية الدماغية التي تم تخليقها من البول لم تتسبب في إحداث أي أورام في أمخاخ من فئران التجارب التي خضعت إلى التجارب المختبرية. فصحيح أن تقنية الخلايا الجنينية الجذعية تُستخدم منذ سنوات لتخليق خلايا دماغية بشرية، لكن مشكلتها كانت وما تزال تكمن في أن أحد أخطر تأثيراتها الجانبية يتمثل في كونها تتسبب في حالات كثيرة في الاصابة بأورام في المخ بعد نقل الخلايا وزراعتها جراحياً.
لكن في المقابل، لوحظ أن الخلايا الدماغية المستخلصة من البول قد بدأت في غضون أسابيع قليلة من زراعتها في اتخاذ شكل الخلايا العصبونية من دون أي طفرات أو تحولات غير مرغوبة.
وفي ضوء هذه النتائج الأولية المدهشة، فإن هذه التقنية الجديدة تبشر بفوائد عدة من بينها الأمان وكون البول متاحا بسهولة، إلى جانب سهولة قيام العلماء بتخليق خلايا دماغية من بول المريض ذاته، وهو الأمر الذي يزيد من فرص عدم رفض جسم الشخص المريض للخلايا المزروعة.

• دماغ رقمي من «غوغل»!
في كتابه الذي يحمل عنوان «أنت…غدا»، كتب المؤلف العلمي إيان بيرسون عن إمكانية أن نصبح ذات يوم في المستقبل قادرين على أن نخلق أو نصمم «نسخا رقمية» من أنفسنا على أساس معلومات أدمغتنا وأعصابنا. وعمليا، هذا يعني أنه يمكن أن نقوم بـ«تحميل» جميع معلومات دماغ شخص على قرص جهاز كمبيوتر بحيث يواصل ذلك الشخص حياته (حتى بعد وفاته) في صيغة رقمية أو الكترونية.

وبما إن شركة «غوغل» قد أعلنت أنها قد تعاقدت مع العالم «راي كورزويل» كي يقوم بتصميم وصنع أول دماغ رقمي يعمل بشكل كامل من خلال سيطرة الذكاء الاصطناعي، فإنه يمكننا الآن القول إن حلم أو خيال إيان بيرسون العلمي قد بات في متناول التحقق.
وبتعبير آخر، فإن حلم «الأبدية والخلود» الذي طالما راود الإنسان ربما يصبح ممكنا وفي المتناول فعليا قبل انتصاف القرن الحالي، لكنه لن يكون خلودا بالشكل البدني بل بالشكل الالكتروني في العالم الافتراضي.

• تطعيمات من لُقاح الزهور
لقاح الزهور هو أحد أكثر مسببات الحساسية شيوعا في العالم، وهو يتميز بكونه فعالا جدا في هذا الجانب بسبب طبيعة تركيبته البيولوجية، فالقشرة الخارجية لجرثومة اللقاح المتناهية الصغر تتميز بكونها فائقة التحمُّل إلى درجة مذهلة تسمح لها بمقاومة القوة التفكيكية الموجودة في الجهاز الهضمي البشري.
وهذه الخاصية التي يتمتع بها لقاح الزهور تمنحه ميزة على التطعيمات التقليدية، إذ إن هذه الأخيرة يتم حقن معظمها مباشرة في مجرى الدم لأنها لا تستطيع أن تتحمل أحماض المعدة والأمعاء وبالتالي فإنها ستتفكك وتصبح عديمة الجدوى إذا تم تناولها عن طريق الفم.
ولكن اتضح من خلال تجارب مكثفة أننا إذا وضعنا لقاح الزهور والتطعيمات التقليدية معا في تركيبة معينة فإننا بهذا نكون قد أنتجنا «ترياقا» طبيا قد يقترب من المعجزة التي من المتوقع لها أن توفر حصانة كاملة ضد عشرات أو ربما مئات الأمراض الخطيرة.

في هذا الاتجاه، يعكف باحثون تابعون لجامعة تكساس للتكنولوجيا حاليا على دراسة إمكانية استخدام لقاح الزهور في ابتكار تطعيمات ثورية جديدة منقذة للحياة. وقال قائد تلك الأبحاث البروفيسور «هارفيندر غيل» إن الغاية الأساسية للمشروع الطموح تتمثل في السعي أولا إلى انتزاع المكونات المثيرة للحساسية في لقاح الزهور ثم حقن تطعيم طبي في محل تلك المكونات ليصبح اللقاح حاملا لخواص التطعيم العلاجية والوقائية على نحو فعال وغير مسبوق.

ويتوقع البروفيسور «غيل» ورفاقه أن يؤدي نجاح مشروعهم الطبي الطموح إلى إحداث تغيير ثوري وجذري في مفهوم التطعيمات الواقية ضد كثير من الأمراض.

• «طباعة» أعضاء بشرية!
قبل بضع سنوات، ظهرت تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (3D)، وهي الطباعة التي لا تعتمد على استخدام الأحبار بل على استخدام «عجائن» تتألف من مواد خاصة لصناعة مجسمات مطابقة لمعطيات معينة يتم تغذية جهاز الطباعة ثلاثية الأبعاد بها. وبهذه الطريقة اصبح ممكنا على سبيل المثال إعطاء أمر لهكذا طابعات بأن تستنسخ مجسمات طبق الأصل من أي شيء تقريبا، بما في ذلك قطع غيار السيارات وغير ذلك.

وقد بدأت هذه التقنية في تحسُّس طريقها فعليا في عالم الطب وفي مجال صناعة التكنولوجيا البيولوجية. فهناك باحثون يعكفون حاليا على مواصلة ابتكار وتطوير طرق لـ«طباعة» مجسمات فائقة الصغر تحاكي الخلايا البشرية الحية.

وعلى نفس المنوال، يأمل الباحثون الطبيون حول العالم في الاستفادة من هذه التقنية ثلاثية الأبعاد في طباعة تطبيقات كثيرة مفيدة طبيا، بما في ذلك بعض الأعضاء الداخلية الحيوية (كالكبد والبنكرياس وغيرهما) إلى جانب الأطراف الاصطناعية.

بل إنه من الممكن مستقبلا الاستفادة من هذه التقنية العالية في مساعدة الأفراد على «طباعة» نسخ من أدويتهم في منازلهم، وذلك من خلال «طابعات» خاصة يأمل الباحثون في أن يتمكنوا من تطويرها في غضون سنوات قليلة كي تصبح قابلة للتسويق تجاريا بضوابط واشتراطات معينة. وهذا يعني أنه قد يصبح بوسعك في المستقبل غير البعيد أن تشتري طابعة أدوية بحيث تزودها بمواد معينة لتقوم بمنحك التركيبة الدوائية التي تأمرها بها.

وفي الإطار ذاته، فإن تكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد تبشر بنتائج واعدة في المستقبل في مجال معالجة كسور وشروخ العظام ولا سيما للمرضى الذين يحتاجون إلى استبدال عظمة كاملة، إذ إنه من الممكن «طباعة» مجسم مطابق تماما لتلك العظمة ثم زراعتها جرحياً عوضاً عن العظمة التالفة.

وبالنسبة لحالات شروخ العظام، فإن باحثين في جامعة ولاية واشنطن حققوا خطوات مبشرة، حيث إنهم ابتكروا طابعة ثلاثية الأبعاد أطلقوا عليها اسم «ProMetal»، ومن خلالها نجحوا في تطوير مادة (عجينة) هجينة تتمتع بخواص شبيهة جدا لتركيبة العظام البشرية الحقيقية، وهي مادة تتألف من عناصر الزنك والكالسيوم والسيليكون والفوسفات.

ويمكن زرع تلك المادة الهجينة الجديدة في الشروخ العظمية لتسمح للشخص المصاب بالحركة بشكل طبيعي بينما تلتحم العظمة الأصلية حولها. وما إن يكتمل التئام الشرخ، فإن تلك المادة المطبوعة ثلاثيا تتحلل من تلقاء نفسها ويتخلص الجسم منها بطريقة طبيعية.

وطبيا، تكمن البشائر الحقيقية لتكنولوجيا الطباعة ثلاثية الأبعاد في كونها ستفتح الباب واسعا أمام تطبيقات مفيدة كثيراً وصولا إلى «طباعة» أي عضو بشري تقريبا فور التوصل إلى التوليفة المناسبة من المواد الأولية اللازمة لصنع ذلك العضو.

ومن بين الفوائد الأخرى لهذه التقنية أنها ستلعب دورا مهما جدا في الاستغناء عن نقل الأعضاء من متبرع إلى متلقٍ، إلى جانب أنها ستوجه ضربة قاضية إلى سوق سوداء بغيضة ألا وهي تجارة الأعضاء البشرية الرائجة حاليا إلى درجة مقلقة في كثير من أرجاء العالم.

• تركيبة هُلامية توقف النزيف فوراً!
أحياناً قد تجد بعض الابتكارات الطبية الرائعة والمفيدة طريقها إلى النور عن طريق الصدفة المحضة وبأقل التكاليف. وهذا ما حصل مع الباحثين الأميركيين «جو لاندولينا» و«أيزاك ميلر» عندما اكتشفا بالصدفة تركيبة هلامية جديدة مضادة للنزيف الخارجي، وأطلقا عليها اسم «Veti-Gel».

التركيبة الجديدة تبشر بثورة مستقبلية قريباً ستنقذ الكثير من الدماء التي تسيل هدرا. وتلك المادة تشبه الـ«جِل» في قوامها، وتتمتع بخواص تجعلها تغلق موضع النزيف تماما وتوقفه فورا لتسمح للجسم ببدء عملية اندمال مكان الجرح.

أما عن الطريقة التي تعمل بها تلك التركيبة الهلامية، فيقول مبتكراها إنها تخلق شبكة تخليقية تحاكي عمل الأنسجة الخارجية الواقية للخلايا، وبهذا فإن تلك الشبكة تمنع تدفق الدم خارجا ليتمكن الجرح من التفرغ لعملية إعادة بناء خلاياه وأنسجته حتى يلتئم.

وفي حال نجاح هذا الابتكار في اجتياز الاختبارات المختبرية والطبية اللازمة والحصول على الموافقة على انتاجه وتسويقه تجاريا، فمن المؤكد أنه سيسهم في تخفيف معاناة مئات الملايين حول العالم، فضلا عن إنقاذ ملايين من الأرواح ولا سيما في ساحات القتال.