هل اكتشف الفينيقيون استراليا والأميركيتين؟

اللبنانيون يسيرون على الأرض في بلاد الانتشار سبقهم إليها أجدادهم

 

  • الفينيقيون كانوا ملوك البحار، جالوا العالم كله من الشرق إلى الغرب ويعود إليهم الفضل في تسمية أماكن عديدة منها استراليا وساماو والبرازيل…

  • كانت فينيقيا أُمة الصناعات الكبيرة تتميز بحضارة متفوقة على آخرين في الذوق والمهارة وكانت مدينة صور لندن العصور القديمة.

  • فينيقيا سيدة البحار أقامت مدناً تجارية في أنحاء العالم وإجتازت المحيطات منذ القرن 13 قبل الميلاد لتصبح قوة بحرية وتجارية هائلة.

كتب بيار سمعان

حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد، بدأت أُمتان بالإستيلاء على أراضي تقع على الساحل الشرقي للبحر المتوسط في نفس الوقت تقريباً، ففي حين كان الشعب العبراني يستقر في فلسطين، كانت قوة أخرى قد إستقرت وبنت المدن وأنشأت نظاماً له عقائده وشعائره ومكوناته الإقتصادية والفكرية في المنطقة المجاورة والممتدة شمالاً حتى حدود تركيا الحالية.

وحدهما الشعبين العبراني والفينيقي كانا الوحيدين في المنطقة اللذين يؤمنان بالتوحيد. اليهود آمنوا بيهوه (أنا هو الذي هو..) والفينيقيون آمنوا بالإله إيل، وهو الإله الأعظم والعالي والأول ومن إيل إشتقت كلمة ألوهو (بالسريانية) والله (بالعربية) وألوهيم (جمع- بالعبرية) وظهرت أسماء مركبة مبنية على هذه الكلمة مثل جليل أي جل – إيل (أرض الله) وميخائيل وإسرائيل (أسرة الله) وغيرهما.. والمفردات لا تنتهي…

وكان قدر فينيقيا أن تصبح في العالم القديم موطن الأمور المادية والفكرية، في حين كانت العبرية موطن الأمور الروحية. ويبدو أن الشعبين تعاونا وتآلفا وتكاملا فيما بينهما فصادق حيرام ملك صور، الملك العبراني داود ثم ولده الملك سليمان. وبدأ هذا التكامل عندما طلب الملك سليمان من حيرام الصوري الفينيقي أن يبني له هيكلاً للرب ويستعمل خشب الأرز المقدس. وقام الفينيقيون بتحقيق آمال سليمان وبنوا حتى “قدس الأقداس” في حرم الهيكل، وهذا الجزء لا يدخله إلا رؤساء الكهنة مرة واحدة في السنة، حيث يوضع تابوت العهد الذي يحوي الوصايا وعصا هارون وأسرار الحكمة وما شابه.

والفينيقيون الذين إبتكروا وطوروا الأبجدية من مدينة بيبلوس (أي الكتاب) كانوا أيضاً أمة صناعية كبرى في العالم القديم، فتفوقوا في صناعة المنسوجات المطبوعة وصناعة الزجاج والحجارة المرصعة والسيراميك والأحجار الكريمة المنقوشة، وهي تقنيات غير مسبوقة آنذاك. كما إستفادوا من وفرة الغابات في محيط صحراوي مجاور ليطوروا صناعة وتجارة الأخشاب وبناء السفن التي إستخدموها لنقل إنتاجهم الصناعي والحرفي وبيعه في جميع أنحاء العالم بالإضافة إلى الخمر والزيوت…

إنتقل الفينيقيون في سفن من صناعتهم ونقلوا معهم إنتاج بلادهم، حاملين لغة جديدة وأبجدية مؤلفة من 16 حرف، أصبحت أم اللغات السامية واللاتينية والإغريقية. ويؤكد المؤرخ L.A. Waddel أن حضارة الفينيقيين كانت مماثلة للحضارة الفرعونية وتتفوق عليها في مجالات عديدة في النكهة والمهارات في الترف والحس الرفيع، تفوقوا على الفراعنة في مجالات عديدة. وفي فن بناء السفن والمهارات المتطورة كان بإمكان الفينيقيين أن يلقنوا الفراعنة دون أن يستفيدوا من تجاربهم وعلومهم.

لذا يقول Sir Findlers Peterie ان مدينة صور كانت لندن العصور القديمة ومركزاً هاماً للتجارة العالمية، ويؤكد ان فينيقيا تحولت عملياً إلى سيدة البحار، فأرسلت سفنها إلى مرافئ العالم وعبرت المحيطات جميعها، (راجع خريطة العالم التي وضعها الفينيقيون منذ آلاف السنين) وأنشأ الفينيقيون مدناً لهم هي محطات لتوزيع منتوجاتهم وصناعتهم ونقطة للإنطلاق في أسفار بعيدة، لذا تحولت فينيقيا إلى مركز تجاري عالمي، وأصبح لديهم قوة بحرية عظيمة، فأمسكوا التجارة في العالم كله، وتحول الفينيقيون إلى شركة نقل عالمية.

وقد جاء في الملحمة الهندية Mahabharata ما يلي: الفينيقيون القادرون، انهم بالواقع مهيأون لغزو الأرض… وضعوا العالم كله تحت سيطرتهم.. وتصفهم الملحمة أنهم “أسياد العالم”.

وأصبحت فينيقيا في القرنين العاشر والحادي عشر قبل الميلاد تضاهي الحضارتين البابلية والفرعونية، فكست شواطئ البحر المتوسط مستعمرات ومدن خاصة لهم. ولا تزال مدينة (فينيس) البندقة في إيطاليا، تعرف حتى اليوم بإسمها “فينيقيا”. وتخطى الفينيقيون مضيق جبل طارق وبنوا مدنهم ومستعمراتهم على شواطئ المحيط الأطلسي، بنوا مدينة “قادش” على بعد ما يزيد على 2500 ميل عن مدينة صور لتكون لهم محطة قبل إنطلاقهم إلى بلاد ما بعد المحيط الأطلسي (أمريكا) ، وفي نطاق توسعهم بنوا أيضاً مدناً أخرى في بريطانيا والزوج التي تبعد 2500 كلم عن قادش.

تأسيس لندن:

ويذكر مؤرخون انه إستناداً إلى وثائق تبين أنه بعد 89 سنة من سقوط مدينة طروادة (وهي مستعمرة فينيقية تقع اليوم شمال اليونان في الأراضي التركية المشرفة على بحر قام بروتوس، وهو من العائلة المالكة في طروادة بالإبحار مع عدة سفن وإجتاز نهر Thames في إنكلترا وأنشأ مدينة Tri Novanturn أي طروادة الجديدة التي أصبحت فيما بعد لندن. ويقول المؤرخون البريطانيون انه خلافاً للإعتقاد الخاطئ، يوجد في إنكلترا سلالة ملكية وحضارية منذ نشأتها ودامت حتى الإجتياح الروماني لإنكلترا (حوالي 300 سنة قبل المسيح) وتركت هذه السلالة نقوداً ذهبية ونقوشاً وآثاراً تظهر مدى عظمتها وتطورها. وهذا ما أثار دهشة يوليوس قيصر عند غزوه لإنكلترا حيث إكتشف عظمة هذه الحضارة وذكر في مذكراته للتطور الثقافي وللرقي في المسكن والملبس الخاص بالسكان.

ويورد الباحث الإنكليزي لائحة متسلسلة لأسماء الملوك الذين حكموا بريطانيا منذ بروتوس (1103 ق.م) حتى الإجتياح الروماني. ولنتذكر واقعاً هاماً هو أن الرومان دمروا قرطاجة المدينة الفينيقية التي زاحمتهم وهددت وجود الإمبراطورية الرومانية في عقر دارها. ويقول المؤرخون انهم سعوا إلى محو كل ما له علاقة بالحضارة الفينيقة في قرطاجة. من هنا يفهم ان إجتياح بريطانيا كان للقضاء على المستعمرة الفينيقية الأخرى هناك… ويورد الباحث أدلة ان العديد من البريطانيين اليوم هم فينيقيون في تركيبهم الجيني..

ويتابع ووديل قائلاً: لم تكن المحيطات عائقاً في وجه السفن الفينيقية، لكن بسبب جهلنا لتلك الحقبة، لم يُولي المؤرخون أهمية لحجم وتطور السفن الفينيقية المجهزة بمعدات متطورة إلى جانب المعلومات حول الطقس وعلاقته بمواقع الكواكب والقمر والأشهر. وكانت السفن الفينيقية سريعة ومجهزة وقادرة على نقل ما يزيد على 500 مسافر إلى جانب الحمولة والغذاء.

سفن ترشيش:

السفن المصنعة خصيصاً للأسفار البعيدة ولمواجهة أمواج المحيط فكانت تختلف بحجمها وتجهيزاتها عن السفن التي تبحر فقط في البحر المتوسط وأطلق عليها إسم “سفن ترشيش”.

وإستعمل الأسبان قديماً هذه الكلمة “ترشيش” ليرمزوا إلى السفن الفينيقية التي كانت تبحر في المحيطات وتصبح كالمشردة بسبب طول سفرها، فالإبحار نحو الغرب (أمريكا) أصبح يعني ترشيش. ويؤكد المؤرخ والفيلسوف اليوناني هيرودوتس ان الفينيقيين أبحروا حول العالم بعد أن أنجزوا الدوران لصالح الفرعون نيشو. وهذا يثبت ان الفينيقيون تمتعوا بخيرات بحرية متطورة قد تكون الأفضل على الإطلاق حتى تاريخ ظهور كريستوفر كولومبس.

فما هي الرحلات التي قام بها الفينيقيون؟ وما هي الأماكن التي وصلوا إليها وأقاموا مستوطنات عليها؟؟

  • قرطاجة:

قد تكون قرطاجة من أهم المستوطنات الفينيقية في شمال إفريقيا تحولت مع الوقت إلى أقوى وأهم مدينة فينيقية مشرفة على البحر المتوسط بعد مدينة صور. ويقدر المؤرخون ان مرفأها الدائري كان يستوعب حوالي 400 سفينة تجارية بالإضافة إلى المرفأ العسكري وفي داخله مرائب لإصلاح وصيانة السفن ولا يدخله أحد دون إذن مسبق.

غير ان المؤرخ ستاربو يقدر ان عدد المستوطنات الفينيقية يزيد على 300 مستوطنة زرعت في البحر المتوسط وفي أسفل الساحل الأطلسي على شواطئ غرب افريقيا. وفي غرب افريقيا تصبح الملاح سهلة، وما على السفن إلا الإستفادة من حركة الرياح والإبحار بإتجاه امريكا الجنوبية واستراليا وجزر الباسيفيك.

  • ما بعد المحيط الأطلسي:

قد يتعجب البعض مستبعداً ان يتمكن البحارة الفينيقيون القدامى من الوصول إلى الامريكتين وإلى استراليا وساماو ونيوزيرندا معتَدين ان هذا ضرب من المبالغة العاطفية.. لكن قبل الحكم على هذه الحقائق، فلننظر إلى الأدلة الثبوتية أولاً.

المؤرخ مايكل برادلي في كتابه “أسرار أناس ماتوا” Dead Men’s Secrets، يؤكد ان هؤلاء المستعمرون في عصور منسية كوَّنوا بالواقع شبكة حضارية متكاملة وحققوا تجارة مزدهرة بين أوروبا وأسيا والامريكتين منذ 3 آلاف سنة ق.م. كذلك توصل البروفيسور باري فال من جامعة هارفرد إلى نتائج ذاتها، معتمداً على أبحاثه الشخصية المعمقة ليؤكد ان من وصلوا إلى الامريكيتين في العصور القديمة لم يكونوا من المستكشفين بل تجاراً ومنقبين عن المعادن النادرة (ذهب نحاس وحجارة كريمة..) ويؤكد الجامعي انه نتيجة للجهل الذي إجتاح أوروبا خلال العصور المظلمة (Dark Ages) يميل الاوروبيون إلى تناسي درجة التقدم لدى الشعوب القديمة ومقدار معرفتهم بالأرض والبحار وعلوم الفلك وفنون الملاحة. ويؤكد ان مناطق شمال امريكا ضمت العديد من المرافئ التي كانت تستقبل “سفن ترشيش”.

  • الفينيقيون في أمريكا:

يذكر الدكتور باري فال انه في سنة 1780 إكتشفت صخرة على شاطئ خليج Hope Bay في جزيرة بريستول رود نقش عليها بالأحرف الفينيقية: “رجالة من ترشيش. هذه الصخرة للدلالة على ذلك”. وهذا أول دليل على وجود مرفأ فينيقي يأوي سفن ترشيش الضخمة.

كريستوفر كولومبوس إكتشف على جزيرة Hispaniola مناجم قديمة، كما عاين على جزيرة تاهيتي مواقع كان يجري تذويب الذهب والمعادن فيها وصقلها، وأحصى 14 موقعاً…

بين 1850 و 1910 إكتشف رحالة ومغامرون في غابات الامازون ومناطق أخرى من البرازيل صخوراً عليها منقوشات فينيقية. ولقد قام “منتج مادة المطاط الشهير Bernardo Da Silva Ramos بإصدار كتابة باللغة البرتغالية يحوى على 1500 نسخة مصورة لنقوش صخرية عليها كتابات فينيقية يحمل الأبجدية كاملة.

المحقق بيار هونور (Pierre Honore) يعرض إستنتاجاته حول هذه الظاهرة ويقول: “يوجد اليوم مكتبة ضخمة من التقارير التي تؤكد بشكل مقنع لا ريب فيه ان هذه النقوش والكتابات هي فينيقية. كذلك تثبت النصوص ان الملك سليمان (935-975) قد زار منطقة الامازون على متن هذه السفن الفينيقية. وانه اذا أردنا ان نبحث عن بلاد الذهب والاوفير وترشيش وبافاهيم، علينا ألا نبحث في العالم القديم الغابر، بل هنا في الامازون في Rio Solimoes أي نهر سليمان. وعلى مقربة من ريو دي جنيرو نقش على صخرة ضخمة العبارات التالية: “بارديز من صور الفينيقية الولد الأول لجيت بعل”.

جيت بعل حكم صور بين السنوات 887 إلى 856 ق.م.وفي 1872 وجد يواكيم دا كوستا داخل مزرعته في منطقة Paraiba صخرة عليها كتابات غريبة قام رئيس معهد التاريخ بترجمتها وهذا هو النص الكامل للترجمة:

  • نحن كنعانيون من مدينة صيدون مدينة ملك التجارة ندلي بما يلي:
  • في هذه الجزيرة البعيدة، أرض الجبال، قدمنا شاباً ضحية للآلهة السماوية،
  • (وللإلاهات)في السنة التاسعة عشر من حكم ملكنا المعظم حيرام،
  • لقد أبحرنا من (Ezion Geber) (مرفأ العقبة) نحو البحر الأحمر. وسافرنا برفقة عشر سفن.
  • أمضينا عشر سنوات نطوف حول افريقيا ثم فرَّقتنا
  • يد بعل ولم نعد برفقة شركائنا. وأتينا إلى هنا
  • اثني عشر رجل وثلاث نساء إلى “أرض الحديد”. أنا الأدميرال الرجل الذي لن يهرب
  • نضرع أن تحمينا الآلهة السماوية وترفق بنا.

ويؤكد رئيس قسم الدراسات الشرق أوسطية في جامعة براندايس، مساتسوستش، الدكتور سيروس غوردن ان الفينيقيين عرفوا حتماً البرازيل ودعوها جزيرة الحديدة Hy Brasil. هذا ما تعنيه الكلمة كما وردت في النص أعلاه. ولا يزال الحديد من أهم مصادر إنتاج البرازيل حتى اليوم.

  • الإبحار نحو الغرب:

من يدرك موقع وجغرافية لبنان، الموطن الفينيقي يعلم تلقائياً أهمية البحر ودعوته البديهية لسكان لبنان إلى الإبحار نحو الغرب، إلى الأفق اللامحدودة. لذا يعتقد المؤرخون انه حتى ألف سنة قبل الميلاد كانت وجهة السفن الفينيقية نحو الغرب. غير ان الفينيقيين ورغبتهم بالإكتشاف ومعرفة المزيد دفعتهم للبحث عن أماكن ومستعمرات جديدة. وهم كانوا يدركون ان الأرض مستديرة وان الإنطلاق من نقطة ما سيعيدك إليها إذا تابعت السفر في نفس الإتجاه.

ونظراً لمخاطر المواجهة مع المملكة البابلية في حال قرروا سلوك البر، فضل الفينيقيون الإستفادة بما تفوقوا به، أي إستخدام البحر وبراعتهم في الإبحار. ونتيجة للعلاقات الطيبة مع المملكة العبرية، منحهم الملك سليمان مرفأ على شاطئ البحر الأحمر، هو مرفأ إيلات وازيون جابر في العقبة.

يذكر العهد القديم ان سفن حيرام والملك سليمان أبحرت نحو “اوفير” وأن سفن جرام نقلت الذهب في اوفير والحجارة الكريمة، ويقول المؤرخ اليهودي جوزيفوس ان اوفير تقع ما بعد افريقيا والشواطئ العربية والشاطئ الهندي، وانه يمكن الوصول إليها إنطلاقاً من “ازيون جيبر” أي مرفأ العقبة على البحر الأحمر.

ويؤكد باحثون ان المدينة المبنية في داخل زيمبابواي لم يشيدها السكان الأفارقة الأصليون بسبب غياب أية أدلة أخرى تؤكد براعتهم في فن البناء. ويعتقد هؤلاء ان الفينيقيين قاموا ببنائها كمدينة لصب المعادن وإذابتها.

ويؤكد الباحث توماس جونسون انه ينبغي البحث عن اوفير أبعد في مناطق الشرق الأقصى، وأبعد من جزيرة بيكوك ومضيق توريس وشمال استراليا، عبوراً بجزيرة ساماو وتاهيتي وصولاً إلى المكسيك والبيرو. بهذا الكلام أراد توماس جونسون ان يؤكد ان الفينيقيين أقاموا مستعمرات في جميع هذه الأماكن والجزر وصولاً إلى جنوب امريكا حيث الذهب والنحاس متوفر بكثرة. كما يشير الكاتب ان السفن الفينيقية التي وصلت إلى امريكا الجنوبية مروراً باستراليا ونيوزيلاندا والجزر المتناثرة في المحيطين الهادي والأطلسي.

ويذكر الكتاب المقدس ان الأرض البعيدة أكثر من ترشيش (أسبانيا) كانت غنية بالفضة والحديد والقصدير ويمكن الوصول إليها من مرفأ يافا (الفينيقي) أو من المرفأ المطل على البحر الأحمر (عصيون جابر). ويفهم من هذا النص ان أرض أوفير هي أرض الامريكتين حيث تتوفر هذه المعادن الثمينة. وهذا ما يؤكده سيروس غورد من جامعة ماساتسوستش. باحثون آخرون أكدوا انها مدينة تقع على ضفاف نهر الامازون في البرازيل، كما تشير وثائق إحدى القبائل التي تعيش في الامازون.

ويعتقد سيروس غوردن ان كلمة أوفير جرى تعميمها وإطلاقها على معظم الأماكن التي التي وصل إليها الفينيقيون وإكتشفوا فيها المعادن والذهب… وكلمة أوفير أو أوفور في الفينيقية يعني الدول الغربية.

  • استراليا:

ويبدو أن السفن الفينيقية واجهت مخاطرة عندما غامروا من مناطق جديدة، وقد يكون المعبر الأخطر يقع في شمال غرب الشاطئ الاسترالي، غرب كيمبرلي على مقربة من دربن، وهو أخطر معبر حسب رأي البحارة المعاصرين لشدة وحركة المياه فيه.

ويدعي الغطاس الاسترالي الن روبرتسون انه إكتشف خلال عمليات غطس بحرية في تلك المنطقة، ما وصفه بحطام سفينة فينيقية ولقد إلتقط بعض القطع المعدنية والعملة القديمة التي أكد جامعيون إنها فينيقية الأصل.

كذلك تشير نقوش أخرى على صخور في شمال كوينزلاند إنها فينيقية، كما وجد في ولاية نيو ساوث ويلز تماثيل صغيرة ورموز منحوتات وصفت إنها فينيقية، متناثرة على الصخور المجاورة لنهر هوكسبوري.

أساطير السكان الأصليين في استراليا تروي قصة وصول شعب غريب على متن سفن كبيرة مثل الطيور والسفن الفينيقية كان في مقدمتها رأس طير أو رسم الرأس وتتابع الأسطورة ان هذا الشعب حفر ثقوباً وأقام الجبل المقدس وتزاوج مع السكان الأصليين، وقد وجدت آثار مناجم قديمة في منطقة غامبيا ومواقع لصهر المواد المعدنية.

وبالقرب من توومبا في ولاية كوينزلاند تم مؤخراً إكتشاف مجموعة من صخور الغرانيت مع نقوش قديمة تم تحديدها فينيقية، وفُسرت جملة كما يلي: “حراسة ضريح رسالة يهوه” وأخرى “إله الآلهة- إيل”.

ومنذ سنوات إكتشف مزارع بالقرب من توومبا في كوينزلاند مجموعة ألواح صخرية، وهي موجودة في متحف ريكس غيلروي، بالقرب من تاموورت عليها نقوش فينيقية يقرأ فيها ما يلي: “السفن تبحر من هذه الأرض تحت حماية الرب دان”. دان هو مركز تجاري فينيقي قديم جنوب مدينة صور. ذكرت هذه المعلومات في صحيفة Ravenshoe Northern Star بتاريخ تموز – آب – أيلول 1996.

  • ساموا وجزر الباسيفيك:

وذهب الفينيقيون أبعد من استراليا، وأطلقوا إسم ساموا على الجزيرة الخارجة من مياه البحر كجزيرة ساموس وهي مستعمرة فينيقية في البحر المتوسط. ثم تابعت سفن حيرام الصوري شرقاً فدعا الفينيقيون جزيرة تاهيتي (مع تسكين الهاء) على إسم جزيرة تابيتي، أيضاً في المتوسط (مع تسكين الباء) تصبح الجزيرتان تحملان نفس الإسم تايتي ويبدوا أن الفينيقيين أقاموا مستوطنات في الباسيفيك كما فعلوا في البحر المتوسط وأصبح لديهم مستوطنة ومناجم في استراليا ومستوطنة في ساموا وأخرى في جزيرة موريا. ولقد إكتشفت الإرساليات الاوروبية الأولى آثار بناء وكتابات ومنقوشات قيل إنها فينيقية. كما إكتشفت هؤلاء ان طريقة حياة السكان الأصليين في الجزر والمعابد المكشوفة لديهم وتقديم الذبائح البشرية والإيمان بآلهة سماوية تشابه في الكثير مع الطقوس والعادات الفينيقية.

وتجدر الإشارة انه إستناداً للعهد القديم كان الشعبان الفينيقي والعبراني توحيديون يؤمنون بالإله الواحد (الأعلى والأعظم، إله السموات…) لكن في مراحل تاريخية تاه الشعبان وإتجها لعبادة “بعل”، إله الشمس وعشتار أو عشتاروت، ملكة السماء.

وتشير المعلومات كما ورد سابقاً ان الفينيقيين تابعوا رحلتهم نحو جنوب امريكا وفي حين وصلوا إلى البرازيل ودول جنوب أمريكا عبر المحيط الهادي، وصلوا أيضاً إلى امريكا الشمالية عبر اوروبا.

خاتمة:

بالإمكان ذكر المزيد من التفاصيل حول الوجود الفينيقي في جميع أنحاء العالم.. وما يهمنا نحن المنحدرون من أصول شرق أوسطية فينيقية، أنه يجب علينا ان ندرك هذه الحقائق التاريخية الهامة، وعلينا كلبنانيين ان نتيقن ونفهم أبناءنا اننا أحفاد حضارة وشعب منفتح ومقدام ومناره للشعوب، حمل الأبجدية والعلاقات التجارية والإنسانية إلى جميع أنحاء العالم..

ونحن لسنا غرباء عن استراليا طالما آباؤنا وضعوا حجر الأساس الأول لحقبة حضارية لن تتوقف طالما التاريخ لا يزال يكتب.

أما الحقيقة الثانية، فهي ان من إستوطن في وقت لاحق على الأراضي الاسترالية هم بالواقع أحفاد الفينيقيين، فالإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس كانت كالإمبراطورية الفينيقية التي غطت الكرة الأرضية بكاملها وإستفادت من خيراتها وتركت بصماتها على الحركة الإنسانية.

إن ما إستعرضه اليوم هو نافذة صغيرة على تاريخ مجيد لأجدادنا، أملي أن يجمع أثرياء الجالية على موقف موحد ويقوموا بتمويل لجنة تحقيق ودراسات للكشف عن حقيقة الوجود الفينيقي في هذه المنطقة.

إن معرفة كامل الحقيقة لابد انها سوف تغير وجه التاريخ وتعيد كتابته مجدداً.. بالواقع بدأ سكان مدينة ساماو بإعادة البحث عن هويتهم فمتى يستفيق اللبنانيون من سباتهم العميق ويعيدوا إكتشاف هويتهم التي لا حدود لها.

في حين يحاول عديدون سلب تاريخنا وحضارتنا الإنسانية، نتناسى ان الأرض التي يسير عليها اللبنانيون في بلدان الإنتشار سبقهم إليها أجدادهم الفينيقيون لقد آن الأوان أن نعيد كتابة التاريخ ونعيد إحياء هويتنا المتجذرة فيه.