قانا الماء والخمر والدماء والدموع أولها عرس وآخرها مآتم بلدة الأعجوبة الأولى قتلت مرتين وقامت وظل هلالها يعانق الصليب

تحقيق قاسم صفا

قانا الدم. أولها عرس وأعجوبة للسيد المسيح تحول فيها الماء الى خمر، وآخرها مأساة تحولت فيها الحياة الى موت.
قبل أكثر من ألفي عام، لم تكن تتسع لمزيد من الفرح، وبعد مذبحتي العصر عامي 1996 و2006 لم تعد تقوى على مكابدة المزيد من الحزن.
فاضت رجاء، ثم فاضت أسى. جمعت الشيء وضده: العرس والمأتم. جاز فيها السيد المسيح فنفد الخمر في الأجران لفرط الفرح، ومرت عليها آلة الحرب الاسرائيلية فجفت الدموع في المآقي أمام هول الفاجعة: 106 شهداء و116 مصابا في دقائق!
وثمة من لا يزال يسأل: لماذا لم يصنع السيد المسيح أعجوبة ثانية في ذلك اليوم المشؤوم ويبسط رداءه فوق رؤوس النساء والاطفال والعجزة ليرد هول الاجرام ولكن يبدو أن صوت القتل تفوق في ذلك اليوم على صوت المحبة، فعميت الابصار وحجب دخان الحقد رؤية الحقيقة.
لسنا نعرف بين القرى والبلدات اللبنانية أي بقعة مثلها، لصيقة بالتاريخ، حاملة على كتفيها إرثا لم تعرفه أرقى دول العالم وأكثرها إيغالا في التقادم.
إنها قانا الدماء والدموع، الحياة والفناء. قانا المسيح والعذراء، والشيخ والطفل، والنساء الثكالى. تختزن كل المعاني، المختلفة والمؤتلفة، الزاهية والقاتمة، وتقدم كل المشاهد، الضاربة في القدم والحديثة.
العجوز-العروس
فمن هي تلك العجوز-العروس
تقع في محافظة الجنوب، قضاء صور، على ارتفاع نحو 300 متر عن سطح البحر. يحدها شرقا دير عامص، وشمالا عيتيت، وغربا حناويه، وجنوبا صديقين. وتضم قانا الجليل أحياء كثيرة منها: حارة الفوقا، حارة التحتا، حي السيدة صالحة، حي البركة، حي المحافر، حي الجامع الشرقي، حارة مار يوسف، حي الحافور، حي الوارداني، حي الخشنة، حي الماصية، حي الحمارة، الخريبة.
وفي البلدة مؤسسات تعليمية عدة، منها تكميلية قانا الرسمية، وثانوية قانا الرسمية، ومدرسة قانا الجليل، والمدرسة النموذجية في جبل عامل، ومدرسة الرضى، ومعهد قانا الفني.
وتحتضن أيضا متحف شهداء قانا ومعرض الفنان موسى طيبا للرسم.
أما بالنسبة الى المؤسسات الصحية، فهناك مستشفى شهداء مجزرة قانا الجليل الذي هو قيد التجهيز، وقد افتتح بناؤه قبل أكثر من عشر سنين، والى اليوم، لم تكحل عيون عائلات شهداء المجزرتين برؤية طبيب أو ممرض يدخله، حتى بات الناس يظنونه وقفا أو مسحورا، وهنالك مستوصف قانا الجليل الحكومي، ومستوصف بلدية قانا ومستوصف وزارة الشؤون الاجتماعية.
تبلغ مساحة قانا حوالى ألفي متر مربع، وعدد سكانها نحو 20 ألف نسمة بين مهاجر ومقيم، يتوزعون على عشرات العائلات.
أصل اسمها عبري، ومعناه مكان القصب، وهي مدينة شهيرة صنع المسيح أعجوبته الأولى فيها، وهي تحويل الماء الى خمر. وبعد ذلك صنع أعجوبة ثانية هي شفاء ابن خادم الملك. وكل ما نعرفه من الإنجيل عن موقعها هو أنها في الجليل، في مكان عال بالنسبة إلى كفرناحوم، إذ يقول يوحنا في إنجيله: «وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم».
ويرجح أنها خربة قانا شمال الناصرة بثمانية أميال. وهناك عيون ماء ومستنقعات وقصب. ويؤيد يوسيبوس وجيروم هذا الرأي بقولهما إن قانا الجليل تقع قرب صيدا. ويقول بعضهم إنها كفركنا التي تقع شمال شرق الناصرة بأربعة أميال. وفي كنيسة الروم الأرثوذكس في كفركنا جرة يعرضونها على السياح ويزعمون أنها استعملت في أعجوبة تحويل الماء الى خمر.
ومدينة قانا الحالية هي مدينة قانا الجليل الإنجيلية. يؤكد هذه الحقيقة التقليد ونتائج أبحاث الباحثين.
قتلت مرتين وقامت
قانا التي قتلت مرتين عامي 1996 و2006، انبعثت من تحت الرماد، كطائر الفينيق، لأنها كلبنان، يعيش فيها المسلم والمسيحي على حد سواء.
في نيسان 1996 شنت اسرائيل عملية عسكرية ضد لبنان عرفت باسم «عناقيد الغضب»، في وقت كانت اسرائيل ما زالت تحتل شريطا حدوديا في جنوب لبنان منذ 1978. وقد فرضت حصارا بحريا وبريا وجويا على لبنان وقصفت مواقع مدنية عديدة ومواقع للمقاومة في بيروت والجنوب بالطائرات والمدفعية والصواريخ وكل أنواع الأسلحة.
وهربا من القصف المتواصل، لجأ نحو 800 مدني لبناني الى مركز قيادة القوة الدولية المنتشرة في جنوب لبنان، وتديره الوحدة الفيجية في قانا.
وفي 18 نيسان تعرض المركز لقصف مدفعي اسرائيلي أسفر عنه مقتل 106 مدنيين لبنانييين وجرح 116 آخرين، إضافة الى تضرر العديد من جنود القوة الدولية.
وأثار ذلك إدانة دولية واسعة، وفرض ضغوطا شديدة على الحكومة الاسرائيلية التي كان يترأسها آنذاك شمعون بيريس.
وفي 26 نيسان تم التوصل الى هدنة برعاية أميركية، وأعلن «تفاهم نيسان» بموافقة الطرفين على عدم مهاجمة المدنيين.
وأقر التفاهم بحق اسرائيل في الدفاع عن النفس، وفي الوقت نفسه بحق مقاومة الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان.
وشكلت لجنة لمراقبة التفاهم تضم كلا من لبنان وسوريا والولايات المتحدة وفرنسا واسرائيل.
ويشار الى أن الحكومة اللبنانية قررت بعد حوادث 1996 تطوير القرية لتصبح موقعا سياحيا، مستفيدة من شهرتها عبر التاريخ.
ويروى أن ثمة كهفا في المكان يقال إن المسيح استراح فيه، وأن صخورا نقشت فيها رسوم لصور بشرية.

المجزرة الثانية
وكأن العدو الاسرائيلي لم يرتو من دماء الضحايا في مجزرته الاولى، فعاد ليرتكب مجزرة أخرى عام 2006 ذهب ضحيتها عشرات الابرياء.
ولكن لماذا قانا مرة أخرى هل لتؤكد إسرائيل مجددا للبنانيين أنها لن تسمح للبنان أن يهنأ بطمأنينته، ولأطفاله أن يكبروا بسلام وأمان، فتعود لتقتل الجيل الذي ولد بعد المجزرة الأولى هل لأن سلاح الجو الإسرائيلي لم يرض بأن يحتكر سلاح المدفعية سجل الجريمة الأكثر بشاعة، فجاء ليثبت أنه السلاح الأكثر إجراما وفتكا في ترسانة دولة القتل والإرهاب والتدمير هل لأن المدينة التي أظهر فيها يسوع المسيح أولى معجزاته «وأظهر مجده فآمن به تلاميذه»، هي الدليل الحي على تنكر اليهود الصهاينة لله وأنبيائه ورسله
بعد الصور المروعة لأجساد 37 طفلا دون السادسة تنتشل من تحت الأنقاض، ومئات الضحايا من الشيوخ والأطفال والنساء، إلى متى يستطيع الضمير الإنساني تحمل المزيد من القتل والتدمير إلى متى يستطيع البشر النظر إلى صور الأطفال الـ37 القتلى بلا مبالاة، والانطلاق في مزاولة حياتهم وأعمالهم كالمعتاد أما آن الأوان للجم الوحش، وفرض قرار يوقف العدوان الإسرائيلي
هذه هي قانا، وتلك قصتها. ومهما قيل فيها، يبقى الأبلغ الذي لم يقل، وهو أن أعجوبة السيد المسيح في فجر التاريخ لا تزال مفاعيلها قائمة، إذ مهما دمرت إسرائيل، لن تنال من التجربة الانسانية السماوية في هذه البقعة، حيث يتعانق الهلال مع الصليب، ولا شيء يباعد بينهما، حتى الموت.