فكّ عزلة طهران يزيد مخاوف الخليج من تعزيز استراتيجيتها التوسعية أميركا تتعهّد لحلفائها الحماية من هجوم وتدير الصراع إقليمياً

موناليزا فريحة

في مقابل الترحيب الحار الذي لقيه الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، الى ألمانيا، في عواصم الغرب وطهران، اتسمت المواقف الرسمية العربية، وتحديداً الخليجية، بكثير من الحذر. ذلك ان فك العزلة الدولية عن ايران يقلق العرب الذين يشكون من التمدد المتزايد لطهران ووكلائها في العراق وسوريا ولبنان. ورفع العقوبات الدولية يحرر مليارات من الدولارات مجمدة لها في مصارف خارجية قد تستثمرها في قلب ميزان القوى الهشة في نزاعات عدة في المنطقة.
لا تقيس دول الخليج الاتفاق بالمعايير الأميركية والأوروبية. هي ليست مقتنعة أصلاً بأن الاتفاق يمنع طهران من تطويربرنامجها النووي. لكن هواجسها الكبيرة لم تؤخذ في الاعتبار في المفاوضات التي استمرت سنتين تقريباً. أضف ان تحذيراتها من اتفاق يقوي طهران “التي تتدخل في شؤون المنطقة” لم تلق صدى. مبدئياً، ليست ثمة دول عربية تعارض اتفاقاً يحد من القدرات النووية لايران ويمنعها من امتلاك قدرات نووية عسكرية. لكن مسؤول “مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية” رياض قهوجي صرّح  بأن العلاقات بين الدول لا تقاس بالقوة وحدها، وإنما أيضاً بنيات كل منها حيال الأخرى. وفي هذا تحديداً جوهر المخاوف العربية. ففيما “يحد الاتفاق من القدرات النووية لطهران، لم تتطرق المفاوضات الى نياتها في المنطقة”.
في ظل الحرب بالوكالة التي تخوضها إيران في دول عربية عدة بدءاً من سوريا والعراق وصولاً الى اليمن، أكثر ما تخشاه الدول العربية هو أن تستثمر إيران مواردها التي ستتحرر من العقوبات في دعم وكلائها. فإذا ابقت إيران سياستها على حالها، تخشى الدول العربية أن تستثمر الاتفاق في استراتيجيتها التوسعية. وقال قهوجي: “سيتيح رفع العقوبات عن إيران تحرير ما لا يقل عن 150 مليار دولار، وإقامة علاقات اقتصادية مع دول العالم تدر عليها أموالاً كثيرة إضافة الى تطوير قدراتها، وهذا تحديداً مرد القلق العربي”.
لم تأخذ المفاوضات هذا العامل في الاعتبار. طوال السنتين الأخيرتين، أصرت الادارة الأميركية على أن هدفها منع ايران من اكتساب القدرة على صنع قنبلة نووية. وفي رأي قهوجي أن “سياسة أوباما قائمة على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة… غايته انهاء البرنامج النووي لايران وتحقيق مصالح واشنطن في المنطقة، من فتح أسواق الغاز والنفط وتعزيز التجارة”. سياسة كهذه لا تقيم أي اعتبار لهواجس دول المنطقة، السياسية منها والاقتصادية، “فيما الضمانة الوحيدة التي قدمتها أميركا الى حلفائها هي أنها ستساعدهم اذا هاجمتهم ايران… وفي ما عدا ذلك (التدخلات الايرانية في سوريا والعراق وغيرهما) يدخل في إطار لعبة السياسة الدولية”.
أسلوب أوباما في التعامل مع حلفاء واشنطن في المنطقة يختلف عن كل ما شهدته الادارات الأميركية، وعكس مسارات طويلة تمتد من ايران ولا تنتهي في كوبا. وكما عبر قهوجي، “أنهى أوباما سياسة الرجل الأبيض في البيت الأبيض وكرس اعترافاً أميركياً هو الأول من نوعه بالحكومة الاسلامية لايران”.
في التداعيات المباشرة للاتفاق النووي على المنطقة، ثمة من يتوقع تزايد التوتر وسط الاستقطاب الحاد بين المعسكرين المؤيد لايران والمعادي لها.
لكن قهوجي الذي كان في واشنطن أخيراً لاحظ أن الجميع كانوا في أجواء اتفاق محتم: “السفارات العربية ووزارة الخارجية الأميركية لم تكن تبدي أي شك في إمكان حصول الاتفاق… والأميركي كان واضحاً منذ البداية ان الاتفاق سيقتصر على النووي”. من هذا المنطلق، لم يكن الاتفاق كما مضمونه مفاجئاً للدول العربية. إلا أن ذلك لا يعني “أن واشنطن موافقة على سياسات ايران ولبنان وسوريا والعراق واليمن، وإنما هي تأمل في حصول شرخ بين القوى المعتدلة والقوى المتشددة”. فالانفتاح على ايران “سيزيد حماسة القوى المعتدلة لتحسين العلاقات مع الخارج بوتيرة أسرع وهو ما سيؤدي الى توتر لدى الجناح المتشدد”.
مخاض
وعلى رغم إعلان توقيع الاتفاق، لا يزال ثمة من يراهن على تعثره. عملياً، يواجه الاتفاق مرحلة مخاض، في ظل نقل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو معركته الى الكونغرس. ووسط توقعات أن يفرض أوباما الاتفاق كأمر واقع باستخدامه حق النقض، لا يستبعد قهوجي أن تحاول الدول العربية البناء على عدم شعبية الاتفاق لقلب الموقف الاميركي، اضافة الى أملها في وصول رئيس أميركي جديد يحمل سياسة مختلفة عن سياسة أوباما. وهل ثمة بارقة أمل في أن تغير ايران سلوكها؟ أجاب قهوجي أن الانتكاسة بين الدول العربية وإيران حصلت نتيجة تصدير الثورة الايرانية “ويؤمل من عودة ايران الى المجتمع الدولي أن تغيّر سلوكها”. ولكن إذا ابقت مشروعها قائماً، “يخطئ من يعتقد أن الاتفاق مع إيران سيحمل أميركا وأوروبا على الضغط على جهة واحدة… الصراع عربي – ايراني… وللأميركيين والأوروبيين عقود بمليارات الدولارات مع العرب، والأرجح أنهم سيحاولون الضغط على الطرفين للتوصل الى بعض الحلول الوسط”.
أجواء المنطقة ملبدة، والتوقعات ضئيلة لتحسن في العلاقات بين ايران والعرب نظراً الى الشكوك العميقة بين الجانبين. وفي تقدير قهوجي ان المنطقة ستشهد عودة الى علاقة العمل العادي، و”سيبيع الأوروبيون والأميركيون السلاح من الجانبين، وسيحاولون احتواء الأطراف مع إدارة الصراع”.