تحديات ضخمة تواجه اقتصاد اليابان على المدى البعيد

كشفت بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني في اليابان أن النمو قد ارتفع إلى 4.0 % على أساس ربع سنوي، وهو ما يعتبر أسرع وتيرة نمو في عامين والربع السادس من التوسع الاقتصادي على التوالي. وكانت القوة الدافعة لهذا الارتفاع هي تضافر عمل السياسة النقدية الفضفاضة والتحفيز المالي. ولكن على الرغم من تحقيق هذه المكاسب، إلا أن هناك حدوداً للنمو الذي تقوده السياسة النقدية، كما أن اليابان تواجه معوقات هيكلية تتمثل في انخفاض توقعات التضخم وازدياد عدد السكان المسنين. ولذلك فإننا نرى أن هذا الارتفاع في النمو مرحلة انتقالية، وإذا لم يتم إدخال إصلاحات كبرى لمعالجة هذه التحديات، سيظل مسار نمو اليابان غامضاً على المدى الطويل.وبحسب « QNB»، فقد بدأ زخم النمو في اليابان في بداية عام 2016 عندما قام البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة إلى أرقام سلبية وقرر الحفاظ على برنامج التيسير الكميّ. كما قام البنك المركزي بتخفيف سياسته مرة أخرى في سبتمبر 2016، واعتمد ما وُصف بنظام «التحكم في منحنى العائد» الذي استهدف من خلاله المحافظة على مستوى عائد السندات ذات الـ 10 سنوات عند حوالي 0 %. وكان الأثر الصافي لهذه الإجراءات هو تقليل الجاذبية النسبية للأصول اليابانية، ومن ثَمّ إضعاف الين وزيادة صادرات اليابان. وانخفض الين بنسبة 10 % مقابل الدولار الأميركي في عام 2016، وارتفع صافي الصادرات إلى 60 % من نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال العام.
ولتخفيف الضغط على السياسة النقدية، قامت الحكومة بوضع برنامج تحفيز مالي كبير في 2017 من أجل دعم الطلب المحلي. وارتفع الإنفاق الاستثماري العام بشكل صاروخي إلى 21.9 % على أساس ربع سنوي في الفصل الثاني من 2017، ليعكس بذلك المشاريع الكبيرة المرتبطة بالنقل والاستعداد لتنظيم دورة الألعاب الأولمبية لعام 2020. كما كان للبرنامج التحفيزي تأثير كبير على الاستهلاك أيضاً. وتم زيادة رواتب المتقاعدين ومخصصات العائلات ذات الدخل المنخفض التي تميل إلى الإنفاق أكثر.وفي ظل النتائج المهمة التي تحققت خلال الفصول الستة الماضية، يتعين علينا التساؤل: لماذا إذاً نشك في استدامة النمو؟ هناك أربعة أسباب رئيسية:
أولاً: يبدو أن السياسة النقدية قاربت على بلوغ حدودها القصوى. فبرنامج التيسير الكمي الياباني يواجه مخاطر تناقص المعروض من السندات المتاحة للشراء. ويملك بنك اليابان المركزي ما يفوق 40 % من إجمالي السندات اليابانية في السوق. كما أن التطورات الخارجية تشكل تهديداً لفاعلية بنك اليابان المركزي. فقد تفاعل ضعف الدولار الأميركي مع نظام التحكم في منحنى العائد الياباني حتى الآن في 2017، ونجم عن ذلك دفع بقيمة الين الياباني لأعلى بنسبة 7 % منذ بداية العام.
ثانياً: ستساهم السياسة المالية بقدر أقل في النمو مستقبلاً. فالتأثير الأولي للمحفزات عادة يكون كبيراً، ولكن مع استقرار الإنفاق الرأسمالي على المشاريع الأولمبية ستبدأ القيمة التي تضيفها تلك المحفزات للاقتصاد في الانخفاض.
ثالثاً: توقعات التضخم عالقة بقوة عند مستوى منخفض. فعلى الرغم من التيسير الكبير للسياسة النقدية، وتسجيل معدلات قياسية في تدني البطالة، وانخفاض قيمة العملة في الماضي، بلغ التضخم الأساسي 0 % حتى الآن في عام 2017، وقد ظل يتراجع منذ عام 2015. وعادة تؤدي هذه العوامل إلى رفع معدلات التضخم، فارتفاع الطلب على العمالة يزيد الأجور، وتقوم الشركات بتمرير تكلفة الزيادة في السلع المستوردة إلى العملاء. ولكن بعد عقود من معدلات النمو الأقل من المتوسط أصبحت الشركات اليابانية -لا سيما المؤسسات- حذرة للغاية.
فبدلاً من رفع الأسعار وزيادة الأجور، قامت الشركات باعتماد تدابير لاستيعاب الزيادة في التكاليف والحد من مكاسب الأجور.
ويؤدي هذا الأمر إلى تحيز منهجي لانكماش الأسعار ويشكل خطراً هيكلياً على النمو، وسيتطلب التصدي له على الأرجح إجراء إصلاحات أعمق في سوق العمل والشركات.
السبب الرابع والأخير، وربما الأكثر خطورةً، هو التراجع المطرد في عدد السكان في اليابان؛ حيث تتوقع الحكومة تراجع عدد السكان بما يقرب من 40 مليون نسمة، أو بمقدار الثلث مقارنةً بالتعداد الحالي، بحلول عام 2065. وقد حاولت اليابان التعويض عن الآثار المترتبة على ذلك من خلال زيادة العمالة الأجنبية ومعدل مشاركة الإناث في القوة العاملة، ولكن يجب أن يزداد حجم تلك المكاسب على نحو كبير وأن يستمر لعقود للتعويض بالكامل عن الأثر الاقتصادي لانخفاض عدد السكان.
ويؤكد «QNB» أن النمو القوي لليابان على المدى القريب ربما يحجب ضخامة التحديات طويلة الأجل. فمن المتوقع أن يرتفع النمو من 1 % في عام 2016 إلى حوالي 1.5-1.7 % في عام 2017، لكنه يُفترض أن ينخفض بعد ذلك مع تلاشي دعم السياسات النقدية والمالية. وإلى أن تجد طوكيو وسيلة للتغلب على انخفاض توقعات التضخم وتداعيات تراجع عدد السكان، سيظل تحقيق النمو المستدام على المدى الطويل أمراً صعب المنال.