النفط الرخيص متاح للجميع

ترتفع الأصوات المتشائمة في الدول النفطية من تهاوي أسعار النفط وعجز أوبك على اتخاذ قرار يوقف تدهورها. بيد أن انهيار الأسعار له وجه إيجابي يتمثل في دفع هذه الدول لتنويع اقتصادياتها التي تعتمد بشكل رئيسي على ثروة ناضبة. فإن سعر برميل النفط الخام الذي تراجع خلال الأشهر القليلة الماضية بنسبة زادت عن 30 بالمائة يتجه إلى مزيد من التهاوي. ويدعم هذا الرأي زيادة العرض الحالي على الطلب. كما يدعمه توجه الولايات المتحدة إلى ضخ المزيد من النفط الصخري في الأسواق خلال السنوات القليلة القادمة. وسيساعدها على ذلك التحسن السريع في تقنيات استخراجه بشكل يخفّض من تكاليف إنتاجه. كما أن اقتصاديات الدول الصناعية الرئيسية المستهلكة ما تزال تعاني من تباطؤ النمو بشكل لا ينبئ بزيادة طلبها على النفط في المدى المنظور.
أظهر اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط، اوبك الأخير أيضا أنها لم تعد قادرة على التحكم في العرض النفطي ومسار الأسعار كما كان عليه الأمر سابقا. بعض المحللين والسياسيين يفسر ذلك برفض السعودية ودول خليجية أخرى خفض الإنتاج بهدف إلحاق أضرار بخصوم سياسيين لها وللغرب، أي بإيران ورسيا وفنزويلا. وبغض النظر عن مبررات هذا الرأي، وعن مبررات الموقف السعودي الذي يراهن على السوق في تصحيح السعر، فإن السبب الأبرز وراء ضعف منظمة أوبك يتمثل في زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة بشكل مضطرد. وتفيد إحصائيات وزارة الطاقة الأمريكية إلى أن الإنتاج السنوي وصل إلى حاليا إلى 9 ملايين برميل يوميا، وتذهب التوقعات إلى أن الولايات المتحدة ستحتل المرتبة الأولى في الإنتاج بحلول عام 2017، لتسبق السعودية التي تنتج حاليا 9.6 مليون برميل يوميا.
تراجع قدرة أوبك على التحكم بمسار الأسعار وتدني سعر برميل برنت للنفط الخام إلى ما دون 70 دولارا للبرميل يعني أن مشاكل متزايدة ستواجه الدول المنتجة التي كانت حتى الآن تضع موازناتها التي تتضمن نفقاتها الإدارية والاستثمارية على أساس سعر برميل بين 80 إلى 100 دولار. وستزداد حدة هذه المشاكل كلما زاد الاعتماد على الواردات النفطية كأهم مصدر للدخل كما هو عليه الحال في دول كالسعودية والعراق وليبيا والجزائر والكويت وفنزويلا. بالطبع يمكن التخفيف من حدة هذه المشاكل في بعض الدول من خلال إنفاق الاحتياطات المالية المتراكمة كما تفعل السعودية ودول خليجية أخرى. غير أن هذه الاحتياطات لا تكفي لسنوات طويلة مما سيحتم على الأخيرة التقشف في نفقاتها الاجتماعية والاقتصادية، إلا اذا اعتمدت على مصادر دخل أخرى.
أما بالنسبة للدول التي لديها احتياطات مالية محدودة كإيران وروسيا وفنزويلا فإنها ستكون مضطرة للبدء وبشكل أسرع بإجراءات تقشفية تطال قطاعات خدمية واقتصادية متعددة. وسيرافق ذلك المزيد من الضغوط التضخمية التي تؤدي إلى تراجع أسعار عملاتها وزيادة أسعار السلع في أسواقها.