من أين جاء كل هذا العنف؟

 

عاطف الغمري

لعل السؤال الغالب من المهتمين بدراسة ظاهرة «داعش» هو: من أين جاء كل هذا العنف المقترن بالوحشية؟ احتل السؤال جانباً محورياً من الدراسات، من زاوية النظر إلى احتفالياتهم بالعنف الوحشي، من قطع الرؤوس، وحرق الناس أحياء، في مشاهد صادمة للحس الإنساني.
فعندما حقق أعضاء تنظيم «داعش» تقدماً في العراق في مايو/أيار 2014، فقد طبقوا ما يعد نمطاً من سياسات التطهير العرقي في الموصل، وطردوا المسيحيين الذين فروا إلى مدينة أربيل في كردستان العراق، وذبحوا العشرات من الإيزيديين، وهم أقلية قديمة تعيش في شمالي العراق، واختطفوا النساء والفتيات، ووزعوهن غنائم على قيادات التنظيم. كان من الواضح أن احتفالياتهم بالعنف، يرونها في عقيدتهم، سلاحاً لبث الرعب في سكان المناطق التي يريدون السيطرة عليها، ولفت أنظار الإعلام إليهم، لكي يبقوا مادة على شاشات التلفزيون، وشبكات الإنترنت، كجزء من المنافسة مع المنظمات الإرهابية الأخرى، ولاستثارة النزعة للعنف لدى أفرادها، فيجدون رغبتهم في إطلاق هذه النزعة لدى «داعش».
وفي سياق الأبحاث ظهرت تفسيرات تحاول الإجابة عن السؤال المتقدم، بعضها يرى أنها صناعة أمريكية – صهيونية مشتركة، الهدف منها نشر الفوضى في العالم العربي، وإضعاف مؤسسات الدولة، ثم هدم الدولة ذاتها، ويرى أصحاب هذه التفسيرات وجهة النظر هذه هي المنتشرة في الدول العربية، وأن المقتنعين بها يستندون إلى نظرية الفوضى الخلاقة، التي وردت على ألسنة مسؤولين أمريكيين، منهم كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية في إدارة بوش.
البعض الآخر يفسر انتشار «داعش» بأنه مؤامرة من جانب إيران، كوسيلة لتهميش الإسلام السني المعتدل في الدول العربية. ويستشهد هؤلاء بواقعة تمثلت في امتناع نظام الأسد، بتشجيع من إيران، عن مواجهة تنظيم «داعش» على وجه الخصوص.
لكن يظل التفسير الأكثر شيوعاً، وهو أن «داعش» ظاهرة أجنبية، لا تنتمي إلى المجتمعات العربية بمبادئها، وقيمها الأخلاقية، ولا إلى الإسلام ذاته، فهي غريبة عن كليهما. وإذا كانت المنظمات التي ترفع راية الإسلام، ويقتل أفرادها بعضهم بعضاً، ويبيحون سفك دمائهم، فأي إسلام، إذاً، ينتمون إليه؟
البعض من الدارسين المهتمين بهذه الظاهرة، ومنهم البروفيسور فايكن شيشتيريان، بجامعة جنيف، الذي صدر له كتاب «الجراح المفتوحة».. الأمريكيون والأتراك وقرن من القتل العمدي»، يقول في دراسة نشرتها المطبوعة الفصلية «سيرفايفل» التي تصدر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في لندن: إن النظرة من خلال الإطار الاجتماعي السياسي، سوف تظهر لنا تطور السلفية الجهادية (وهو تعبير توصف به المنظمات الإرهابية)، باعتبارها أيديولوجية جديدة، توفر المبررات والدوافع، للذين يخططون لارتكاب أعمال عنف. ويلاحظ شيشتيرايان – في دراسته – أن السلفية الجهادية، التي ظهر منها علناً دعاة ونشطاء في مصر، في فترة حكم الإخوان، قد نشأت كأيديولوجيا جديدة في قلب آسيا، بعيداً جداً عن العالم العربي. بمعنى أن ظهورها جاء معبراً عن بيئة، لها قيمها وتقاليدها التي تختلف عن واقع الدول العربية، ومعرفتها بحقيقة الإسلام. وأن السلفية الجهادية، باعتبارها حدثاً عابراً في التاريخ، قد تصدى لصياغتها الفلسطيني وعضو جماعة الإخوان، عبدالله عزام، أثناء وجوده في جبال أفغانستان وباكستان، في أوائل الثمانينات.
هناك – في أفغانستان – أنشأ ابن لادن تنظيم القاعدة، الذي ساعد على انتشاره جو الفوضى في دول فاشلة. وأكدت التجربة أن الدولة الفاشلة هي البيئة الحاضنة للفوضى والإرهاب. وهو ما تكررت صورته في العراق، عقب الغزو الأمريكي عام 2003.
ومن داخل العراق – في تلك الظروف – ظهرت جماعة متطرفة تتبنى العنف المفرط، أسسها أبو مصعب الزرقاوي،
قائد ما أسماه تنظيم القاعدة في العراق. وهو أردني كان سافر إلى أفغانستان عام 1989، وبعد عودته، وبناء على نشاطه الإرهابي، قبض عليه وسجن ثم أفرج عنه عام 1999، ليسافر من الأردن مباشرة إلى أفغانستان، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، ذهب إلى شمال العراق، وأسس تنظيم التوحيد والجهاد، الذي كان النواة التي خرج منها تنظيم «داعش» فيما بعد. وحدد أولوياته في: محاربة الأنظمة العربية،
والشيعة، باستخدام العنف بلا حدود، إلى أن قتل الزرقاوي عام 2006.
وفي بدايات الحرب الداخلية في سوريا، ظهرت مجموعة من أنصار الزرقاوي، إلى جانب العديد من المنظمات المتطرفة، بدءاً من الإخوان، والجماعة الإسلامية في مصر، وجماعات السلفية الجهادية. وقتها كانت مجموعة الزرقاوي تحصل على مساعدات من جبهة النصرة التابعة للقاعدة، لكنهم فجأة أعلنوا انفصالهم تحت مسمى «داعش» في العراق، إلى أن أعلن قائدهم أبو بكر البغدادي في إبريل/نيسان 2013 تأسيس «داعش» الذي امتد نشاطه إلى الشام، بعد أن كان تنظيمه قد تمدد من سوريا إلى العراق. ومن هنا ومع تصعيده لكل أساليب العنف الوحشي بلا حدود، استطاع أن يستثير نزعة العنف، لدى أعضاء منظمات إرهابية في دول عربية أخرى.
هذا التطور لبذرة العنف غير المحدود، التي نمت حتى وصلت إلى الشكل الذي يتصرف به تنظيم «داعش»، بدا كأنه جمع في صلبه مختلف نزعات التطرف، والعنف، والوحشية، فيمن تجذبهم دعوة المنظمات الإرهابية، والذين مارسوا أمام الكاميرات، صنوف القتل، والذبح، والحرق، وبيع الفتيات، بشكل احتفالي، يقدمون به أنفسهم للعالم، في تشويه لصورة الإسلام ودعوته للرحمة، وفي انفصال تام عن الفطرة الإنسانية.