ماتت السياسة.. وكأن شيئاً لم يكن

نصري الصايغ

«لبنان بلا رئيس للجمهورية لليوم التاسع والثلاثين بعد الأربعمئة». زمن الفراغ الرئاسي يعد بالمزيد من الأسابيع والشهور والسنوات. مفتوح على نسيان الرئاسة وتناسي الجمهورية، التي فقدت رأسها، وقد تفقد جمهورها.
وبرغم جسامة الأرقام، لم يتحرك أحد بعد، والأمور تسير وكأن شيئاً لم يكن. جلسات الانتخاب خفتت وبهُتت وهزلت. شيء من موت السياسة. وتستمر الحياة، تجتر كلاماً يتكرر كشائعة رثة.
مجلس الوزراء، تعويض عن فراغ، لا يجد إلى الحكم سبيلا. الحكام الحقيقيون مقيمون خارج المجلس. هم فوق المجلس، بل هم الحكومة والحكم، والوزراء مندوبون لأعمدة الحكم الستة، التي لا تجتمع ولا تلتئم. هؤلاء الحكام، يتولّون الحكم عن بعد، أو يعطلون الحكم عن قصد. لا يتنازلون ليكونوا وزراء. سعد الحريري في السعودية، يحكم من هناك. ميشال عون معتصم في الرابية، يرفض ويهدد من هناك. نبيه بري مكتف بمجلسه المعطل ومفاتيحه في الوزارة. وليد جنبلاط يرسل «ملائكته» ويغسل يديه، سمير جعجع يقاطع ولا يقطع و «حزب الله» يبعد الكأس وينأى بنفسه، مكتفياً بطمأنة الجنرال.
وبرغم جسامة الأزمات، لم يتحرك أحد بعد، وخريطة الأزمات هي بمساحة الجغرافيا اللبنانية، ومتصلة بحياة وصحة ومصالح اللبنانيين. وغياب المعالجات وتجاهل التحديات وعجز التسويات، تدليل على موت السياسة، بأيدي السياسيين، وإفصاح عن افتضاح الكيان وتبلّد الشعور بالإنسان.
الأزمات ملازمة للسياسة، من دونها، تفقد السياسة وظيفتها، في إيجاد الحلول وابتداع الطرق لتجنب المآزق. من دون الأزمات، تصير السياسة ترفاً جميلا وفرصاً لتخيُّل «المدينة الفاضلة»، والارتقاء إلى ممارسة السياسات الرائية، التي تجعل المستقبل قريباً وفي متناول الآمال… السياسات عندنا، راسبة وراسية في مستنقعها.
الأزمة المتروكة ولادة لمشكلات تستعصي على الحل. نوع من «الغرغرينا»، أو تآكل الحياة وإعدام للفرص وانتهاك للكرامة وتعميم اليأس، واعتبار اللاحل، هو الحل الوحيد الممكن، وهو الحل المستبد حتماً.
استمرار الأزمة، مدعاة للدخول في التيه، وفي عماء الأفق. يسميه نعوم تشومسكي الـ «تينا» (T.I.N.A)، أو «ديكتاتورية انعدام الأفق». وتشترك هذه الديكتاتورية الفتاكة مع «النازية» و«الستالينية» في إعدامها للأمل.
اللبنانيون، غير المنخرطين في تيارات «طواحين الهواء» الطائفية والمذهبية والسياسية، آثروا الاستقالة المؤسفة من المواطنية، لإدراكهم، أن الطرقات مسدودة والأبواب مقفلة والأفق منعدم، وبالتالي، لا إمكانية ولا فرصة ولا إرادة، تتوفر لحل أزمة. الشغل الشاغل للقيادات اللبنانية النافذة والمستقوية والمستفيدة والموغلة في تشهي الصفقات، هو تأبيد الأزمات، لما تدره من منافع وما تشد من عصب وما تراكم من تحديات، وما توفر من مناعة «كانتونية».
لبنان نموذج لسياسات انعدام الأفق. تدل عليها الأزمات المتكاثرة، بوجوهها كافة وتناسلها بتسارع وانشطار «باراميسي». لا ينجو قطاع في لبنان من أزمة متمادية ومستفحلة وميؤوس من حلها… كل أزمة في لبنان، فرصة للربح وزيادة التعبئة ومناعة المتاريس. كل أزمة أزمتان، «أزمة لي وأزمة عليه». ينقسم اللبنانيون المتفانون في التبعية، انقساماً مهلكاً وفتاكاً. وفي ظل الانقسامات المتمادية، يُعطَّل الدستور، تقفل المؤسسات، تتوقف الموازنات، تهمل المعالجات، تؤجل الاستحقاقات. وفي تنامي الانقسامات واستفحالها، ينعدم التوافق، فيسقط لبنان في العجز. لا يعود الدستور مرجعاً، ولا يظل التوافق ممكناً، ويصير الحوار، حوار الهوامش، هو البديل الفارغ المصاحب للفراغ السياسي الكبير.
لبنان اللبنانيين هذا، ينتظر حلاً يأتيه من الخارج بصيغة الأمر. من الفضائل المشينة للحقبة السورية، توزيع الحصص وإلزام الأطراف بقبولها، بدءاً من رأس الجمهورية، حتى مختار البلدية وما يتصل بها من منافع وصفقات…
في الحالتين، إعلان عن موت السياسة، وعصيان لبنان على اللبننة. وخلاصة النموذج اللبناني، المعد للتصدير إلى دول الجوار الإقليمي، بعد الحرائق المشتعلة، هو أن اللاحل، هو الحل الوحيد. وعليه، فقد يكون من حظ اللبنانيين السيئ، أن يعتادوا على النفايات في الشوارع، كما اعتادوا على انقطاع الكهرباء، مع معرفتهم الجازمة، بأن المسؤولية تقع على الحاكمين بأمر لبنان، من خارج مجلس الوزراء، وهؤلاء، تعتبرهم «جماعاتهم» أنهم فوق الشبهة.
لبنان، ليس وحيداً في هذا السياق. فلسطين نموذج لسياسات انعدام الأفق. محاولات البحث عن حل في فلسطين باءت بالفشل. الحروب فشلت. المقاومة فشلت. المفاوضات أفلست. الإخضاع لم ينجز. مشروع الدولة أجهض. دولتان لشعبين انتهى. دولة بشعبين سقط، الاحتلال مستمر. الحصار قائم. الاستيطان لا يشبع. أوسلو نُحر. الفلسطيني أمام أفق مسدود، بعد 68 عاماً من النضال. ليس أمامه سوى حل واحد، هو اللاحل.
الفارق بين الفلسطيني واللبناني، أن الفلسطيني مأزوم بالاحتلال، والأفق أمامه مقفل، لكنه يحتفظ بالأمل. استسلامه مستحيل. فلسطين هي جسد الفلسطيني وروحه. أما اللبناني، فيعيش في «حمى» الديكتاتوريتين: انعدام الأفق وفقدان الأمل. فعلاً، لقد «بلغ اليأس الزبى».
بعيداً عن السياسة، يعيش اللبناني حياته بفوضى رائعة وإبداع للحلول مستمر، وطرق نجاة طريفة. يجد لكل أزمة حلاً يناسبه. لقد رهن اللبناني أنه يستطيع العيش بطريقة مقبولة، بعيداً عن السياسة وعن مطامرها المنتشرة في قلب المؤسسات الرسمية كافة.