حوار أيلول أقرب الى تنويم مغناطيسي بانتظار وصول ترياق الحلول من الخارج

هل يستطيع الحوار الوطني بطبعته الثالثة، والذي انطلق في 9 ايلول/سبتمبر، أن يصل الى نتائج عملية وفق جدول الاعمال الطموح الذي اقترحه صاحب الدعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري؟ استطرادا، ربما ينبغي طرح السؤال بطريقة مختلفة: هل أن الهدف من بدء الحوار هو الوصول الى حلول للملفات المطروحة على الطاولة، ام ان الهدف غير المُعلن هو تهدئة الاوضاع وامتصاص الغضب في الشارع، والتمهيد لاحقا للانتقال الى مرحلة الحلول والمعالجات عندما تصبح الاجواء الاقليمية والمحلية مهيأة؟
لا شك ان التوقيت الذي اختاره رئيس مجلس النواب نبيه بري لاطلاق الدعوة الى طاولة الحوار ينطوي على الكثير من التفسيرات والتأويلات، الى حد انه يمكن تشبيهه برمي خشبة إنقاذ لغريق يصارع الموت. هذا الامر كان واضحا من خلال ردود الفعل الايجابية التي قابلت بها الاطراف السياسية هذه المبادرة. وبدا كأن الجميع كان يتلهف الى هذه الدعوة التي جاءت في توقيت مثالي. أما موقف حزب القوات اللبنانية، الذي رفض المشاركة في الحوار، فانه ينطلق من حسابات خاصة، لا تغيّر في حقيقة تلهّف الطبقة السياسية الى هذا الحوار الانقاذي.

ظروف محيطة بالحوار

في الشكل، بات من الواضح ان الحوار الذي انطلق في 9 ايلول/سبتمبر 2015، جاء بالتزامن مع الحقائق التالية:
أولاً – حراك غير مضبوط في الشارع، تعجز الطبقة السياسية عن التحكّم به وضبط ايقاعه على روزنامة مصالحها. هذا الوضع مستجد، ولم تعتد عليه الطبقة السياسية في لبنان. الأمر المُقلق بالنسبة الى هؤلاء، ارتفاع منسوب الغضب لدى الرأي العام، الامر الذي يسمح باستغلال هذا الغضب، وإنزال الناس الى الشارع، بصرف النظر عن مواقفهم السياسية. كذلك جاء الحديث عن دعم وتمويل خارجي للحراك الشعبي، ليزيد في هواجس الطبقة السياسية.
ثانياً – التغيير الذي طرأ على المشهد الاقليمي نتيجة توقيع الاتفاق النووي بين الدول الست ٥١، وايران. وقد بدأت الاستعدادات الفعلية لتلقف التغييرات المتوقعة بعد مرور الاتفاق في الكونغرس الاميركي، وبدء مفاعيل الاتفاق في الظهور على الساحة الاقليمية.

ثالثاً – جمود غير مسبوق يصيب المؤسسات الشرعية، من خلال الابقاء على موقع رئاسة الجمهورية فارغا، منع المجلس النيابي من ممارسة دوره التشريعي، وأخيرا، شل الحكومة وتهديد مصيرها. وهكذا بدت الدولة بكل مقوماتها شبه منهارة، او هي على وشك الانحلال. وباستثناء المؤسسة العسكرية، ومصرف لبنان، تبدو كل المؤسسات التابعة للدولة غائبة تماما.
رابعاً – رغم غياب الاهتمام الدولي بالملف اللبناني الداخلي، الا ان تحركات خجولة قادتها فرنسا بعد توقيع الاتفاق النووي، أوحت بأن موعد حسم الأزمة اللبنانية قد يكون اقترب.
هذه الوقائع التي تواكب انطلاق الحوار الوطني، منحته أهمية خاصة لا علاقة لها بالنتائج التي قد يتوصل اليها المتحاورون. واذا كان بري قد أعلن ان فرص نجاح الحوار تتراوح بين صفر ومئة في المئة، فانه أراد من هذا التوصيف القول ان الامور مفتوحة على كل الاحتمالات، وان معيار النجاح يرتبط بأمرين: الهدف الحقيقي للحوار، وثانيا، الظروف التي قد تتطور لاحقا لخدمة الحوار في الوصول الى تحقيق نتائج، والعكس صحيح.

مصالح سياسية

في هذه الظروف، بدا من الواضح ان الموافقة السريعة التي أبدتها القيادات السياسية ترتبط بالتوقيت، اكثر مما تتعلق بالآمال المعقودة على تحقيق نتائج عملية في جدول أعمال الحوار، وعلى رأسه ملف رئاسة الجمهورية، وهو الملف المحوري الذي يحتاج توافقا خارجيا ومحليا، الأمر غير المتوافر حتى الآن. لكن القوى والاحزاب السياسية تلقفت الدعوة الى الحوار، انطلاقا من قناعة مفادها انه قد يكون خشبة الخلاص للجميع في هذه الظروف الصعبة، بانتظار بلورة المعالجات الخارجية للأزمة.
كذلك اعتبرت الاطراف السياسية انها ستكون رابحة في الحوار، بصرف النظر عن النتائج التي سيخرج بها على اعتبار انه في اسوأ الاحتمالات، قد يحقق الامور التالية:
اولاً – يمتص نسبة من النقمة الشعبية، اذ يعطي الانطباع بوجود مساع لا بد من انتظار نتائجها، بدلا من الفراغ القاتل السائد، والذي أعطى الانطباع بأن الدولة لم تعد موجودة، وان لا مرجعيات سياسية تعمل للخروج من الوضع القائم.
ثانياً – يخفف احتمالات انتظار الحلول على الساخن، ويرجّح كفة الانتظار المضبوط.
ثالثاً – يخفّف الضغط على الحكومة، وعلى رئيسها تمام سلام، الذي فكر مرارا في الاستقالة، لكنه تراجع بسبب التداعيات السلبية التي قد تؤدي اليها هذه الاستقالة في غياب رئيس للجمهورية.
رابعاً – يعيد لرئاسة المجلس النيابي دورها الرئيسي على الساحة المحلية، بعدما انحسر هذا الدور بسبب شل العمل التشريعي في المجلس.

موقف القوات

هذه الحسابات التي تجعل من كل الاطراف السياسية رابحة في الحوار (win-win)، بصرف النظر عن النتائج، لا تنطبق على روزنامة حزب القوات اللبنانية الذي لم يشارك في الحوار، لاعتبارات عدة، من أهمها ما يلي:
اولاً – عدم التراجُع عن موقف سابق بمقاطعة جلسات الحوار، مع علم قيادة الحزب المسبق بأن الحوار لن يتوصل الى معالجات للملفات التي سيناقشها، وبالتالي اراد الحزب تسجيل نقطة امام الرأي العام مفادها انه على صواب منذ البداية في المواقف التي اتخذها حيال الحوار.
ثانياً – لا يشعر حزب القوات اللبنانية بالضغط الذي تشعر به بقية الاطراف السياسية بسبب عدم مشاركته في الحكومة. ورغم الدعم الذي قدمه الحزب ورئيسه لاستمرارية حكومة الرئيس سلام، الا أنه حرص على عدم الظهور في موقف معادٍ لتحركات المجتمع المدني في الشارع. وقد وجّه الحزب رسالة واضحة في هذا المعنى من خلال التصريح الذي أدلى به نائب رئيس الحزب جورج عدوان بعد الجلسة النيابية المخصصة لانتخاب رئيس للجمهورية في 2 ايلول/سبتمبر. كان واضحا من تلك الرسالة ان حزب القوات المتمسّك بالحكومة، لا يريد ان يمنحها شيكا على بياض، بل حوّل دعمه لها امام الرأي العام الى انتقاد مبطّن، عندما أوحى للناس بأن أفضل طريقة للتخلّص من هذه الحكومة، يكون عبر انتخاب رئيس للجمهورية. وبهذا الموقف، يكون حزب القوات قد سلّط الضوء على سيئات الحكومة، متماهياً بذلك مع الرأي العام المعارض لها، خصوصا بعد أزمة النفايات، وفي الوقت نفسه، برّر دعم استمرار الحكومة، لمنع الوقوع في فراغ أخطر من الوضع القائم حاليا.
ثالثاً – يدرك رئيس حزب القوات اللبنانية، ان طاولة الحوار الجديدة تهدف في الواقع الى تهدئة اللعبة في الشارع، وبالتالي، من مصلحة الحزب البقاء في موقع المتفرج والمعترض في آن، كما هي الحال بالنسبة الى قراره السابق في عدم المشاركة في الحكومة، وهو بذلك يمتلك هامشا اوسع من حرية الحركة واتخاذ القرارات التي يرى انها شعبية، وتساعده على تمتين صورته في الشارع.
في النتيجة، هناك ما يشبه الاجماع الضمني في الغرف المغلقة، على ان طاولة الحوار بجولتها الثالثة، لن تجترح العجائب، وهي ليست المكان المناسب، في الوقت الحالي، للخروج بمعالجات للأزمات القائمة، لكنها ستواكب التطورات، وسوف تخطف قسما من الاضواء نحوها، بدلا من بقاء التركيز على الشارع فقط. ومن المرجّح ان تمتد لفترة أطول من الفترة المقدّرة لها، لأن انهاءها بسرعة، ومن دون نتائج سيكون بمثابة اعلان فشل قد يوتّر الشارع اكثر مما هو عليه اليوم. ومن هنا، تشير الترجيحات الى حوار طويل سيكون أشبه بجلسات تنويم مغناطيسي، هدفه اشاعة الطمأنينة، ولو الوهمية، في النفوس، بانتظار الترياق من الخارج عندما يحين الموعد.