الطفلة التي تسمى عهد

الأحداث كما الشخوص قد تتطابق في المصائر. كثيرا ما صار شخوص بعينهم رموزا لأحداث كبرى قائمة أو قادمة، لكن كثيرا أيضا ما كانت المصائر الشخصية لمثل هذه الرموز دليلا علي مصائر ومسارات الأحداث، التي يرمزون إليها أو يعبرون عنها.
لا شيء يضاهي غرام الشعوب والمجتمعات برموزها. تكاد البلاد تلد رموزا مع كل حادثة أو واقعة، خاصة إذا كانت من النوع الذي يؤرخ لما قبلها وما بعدها، أو من ذلك النوع الذي يسجل بطولة أو يثير فخر واعتزاز المجتمع.
تتعدد أصناف ومستويات الرموز، فمنها الإنساني العام العابر لحدود الأقطار والبلدان، ومنها القومي، ومنها الوطني الذي يخص بلدا بعينه، ومنها ما يبقى ابن إقليم أو محافظة أو فرع من فروع المجتمع، ولكل مجال رموزه.
على أنواعها تجسد الرموز، ليس فقط روح مجتمعاتها، إنما أيضا روح ومآلات الأحداث والوقائع، التي تنبع منها أو تتشكل من خلالها. رموز جديدة في حياتنا أكثر صلة بالحياة والمقاومة صارت أكثر ألقا، رموز جديدة تتدفق من المركز الذي طالما ظل منبعا للرموز.
القضية الفلسطينية عادت لتكون الأولى بعد أن توارت في الهامش بفعل عمليات النحر الذاتي طوال السنوات الماضية. عادت القضية لتكون كما كانت صانعة الرموز.
الطفلة عهد التميمي التي صفعت الاحتلال بجسارة تقبع الآن رمزا ساطعا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، صارت تسريحة شعر بنات العرب هي تسريحة شعر عهد.
قبل 50 عاما، أبدع الفنان الإيرلندي الشهير جيم فيتزباتريك لوحة الثائر تشي غيفارا، التي لقيت رواجا كبيرا وأصبحت أيقونة عالمية. حاليا، وبعد أن أخذت قضية الفتاة الفلسطينية عهد بعدا دوليا، أبدع فيتزباتريك لوحة جديدة تجسد بطولتها.
يطمح الفنان الإيرلندي بأن تصبح اللوحة أيقونة عالمية جديدة، وقال خلال لقاء مع مجلة «نيوزويك» الأميركية، الثلاثاء الماضي، إن عهد هي من تستحق بكل جدارة لقب wonder woman أو «المرأة الخارقة».
عهد الطفلة، كما يري فيتزباتريك «تمثل نضالا نبيلا في وجه احتلال ظالم. صداها ملأ العالم وحرك شعورا خاصا في داخلي، وشحذ فرشاتي لترسمها إيمانا مني بأن تلك الفرشاة أكثر قوة من أقوى سيف».
في لوحته الجديدة، صور الفنان عهد تحمل العلم الفلسطيني، مدونا أسفلها عبارة «امرأة خارقة».
ويعتبر استخدام فيتزباتريك لعبارة «امرأة خارقة» لوصف عهد التميمي، ردا على الفيلم الشهير «ووندر وومن» من بطولة الممثلة الإسرائيلية والمجندة السابقة غال غودات، المعروفة بمواقفها المساندة لجيش الاحتلال.
يقول الفنان الإيرلندي: «غودات مجندة سابقة ومناهضة لحقوق الفلسطينيين، لا أظنها تستحق هذا الوصف، هناك طفلة فلسطينية تدعى عهد التميمي تستحقه بكل جدارة».