«الأنوار» تعرض خبايا خطيرة وأسرار بعد وفاة بوش الأب

توفي الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب عن 94 عاما بعد حياة زاخرة بالكثير من الاحداث والقضايا التي اصبحت اليوم وبحسب بعض المراقبين، مهم في التاريخ السياسي الأمريكي، فقد ترأس خلالها الولايات المتحدة في نهاية الحرب الباردة و قاد حرب الخليج لتحرير الكويت ضد الرئيس العراقي صدام حسين، وفاة جورج بوش هو الرئيس الحادي والأربعون للولايات المتحدة، اثارت ايضا الكثير من ردود الافعال داخل وخارج امريكا حيث عده الكثير من ابناء الكويت شخصية محبوبة وبطل للانسانية عرفان منهم بتحرير ارضهم، وصفه البعض ايضا بانه مجرم حرب سعى شارك بقتل وتجويع الملايين من ابناء العراق في حرب مدمرة ماتزال اثارها مستمرة حتى اليوم.
وبوش الأب، وهو جمهوري شغل منصب نائب الرئيس لثماني سنوات خلال فترتي ولاية الرئيس الأسبق رونالد ريجان قبل أن يفوز هو نفسه في انتخابات الرئاسة. وقد تغلب على حاكم ماساتشوستس السابق مايكل دوكاكيس، مرشح الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة عام 1988، ثم انهزم أمام منافسه الديمقراطي بيل كلينتون في انتخابات عام 1992. وتأتي وفاته بعد سبعة أشهر من وفاة زوجته باربرا بوش التي دام زواجه منها 73 عاما.
عمل بوش الأب كطيار بالقوات البحرية خلال الحرب العالمية الثانية. وقد حضر جنازة زوجته في هيوستون على مقعد متحرك وهو يرتدي جوربا مرسوما عليه صفوف من الكتب تكريما لالتزام زوجته الراحلة بمحو الأمية. وكان قد نقل لمستشفى في هيوستون بعد إصابته بعدوى في الدم بعد يوم من الجنازة في أبريل نيسان. وسعى بوش للفوز بالرئاسة أول مرة عام 1980، ورشح نفسه معتمدا على الخبرة التي اكتسبها من عمله كعضو في الكونجرس عن ولاية تكساس ومبعوث الولايات المتحدة إلى الصين وكمدير للمخابرات المركزية الأمريكية وسفير لدى الأمم المتحدة ورئيس للجنة الوطنية للحزب الجمهوري.
إلا أن الممثل السابق وحاكم كاليفورنيا آنذاك رونالد ريجان تغلب عليه في الانتخابات الأولية للحزب الجمهوري التي تحدد من سيكون مرشح الحزب في انتخابات الرئاسة، لكنه اختاره لخوض الانتخابات معه كنائبه على أمل أن تساعد صورة بوش كشخص معتدل في تحقيق التوازن مع صورته هو كشخص محافظ. وبعد فترتي ولاية ريجان في البيت الأبيض رشح بوش نفسه ثانية للرئاسة عام 1988 وتغلب على دوكاكيس بفوزه في 40 من 50 ولاية.
وفي هذا الشأن نعت الطبقة السياسية في الولايات المتحدة الامريكية الرئيس الأسبق بوش الاب مشيدة بالإجماع به. وأعلن وفاة جورج بوش ابنه الرئيس الأسبق جورج ووكر بوش. وقال في بيان نشره الناطق باسم العائلة على موقع تويتر «يحزننا أنا وجيب ونيل ومارفن ودورو أن نعلن وفاة والدنا العزيز بعد 94 عاما مميزة». وأضاف جورج دبليو بوش رئيس الولايات المتحدة من 2001 إلى 2009، أن والده جورج هربرت ووكر بوش «كان من أرفع الشخصيات وأفضل أب يتمناه أي ابن أو ابنة». ولجورج بوش الأب خمسة أبناء و17 حفيدا. وجورج بوش الأب هو ابن سيناتور وأصبح عضوا في الكونغرس ومديرا لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) ثم نائبا لرئيس الولايات المتحدة قبل أن يتولى الرئاسة من 1989 إلى 1993.
وهو والد حاكمي ولاية أصبح أحدهما وهو ابنه الأكبر جورج دبليو بوش رئيسا. وابنه الثاني جيب يعمل في السياسة أيضا وترشح للانتخابات الرئاسية التمهيدية للحزب الجمهوري في 2016، لكنه هزم أمام دونالد ترامب. ونعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب جورج بوش الأب مشيدا بـ»التزامه الثابت». وقال في بيان من بوينوس آيرس حيث يحضر قمة مجموعة العشرين «بتميزه وروحه والتزامه الثابت بالإيمان والعائلة وبلده، شكل الرئيس بوش مصدر إلهام لأجيال من المواطنين الأميركيين».
من جهته، أكد الرئيس السابق باراك أوباما أن «أميركا خسرت رجلا وطنيا وخادما متواضعا»، مشيدا بعمله الذي سمح «بخفض آفة الأسلحة النووية وتشكيل تحالف دولي واسع لطرد ديكتاتور من الكويت». ورأى أن دبلوماسية جورج بوش الأب ساهمت في «إنهاء الحرب الباردة بدون إطلاق رصاصة واحدة». ولد جورج هربرت ووكر بوش في 12 حزيران/يونيو 1924 في ميلتون بولاية ماساتشوستس لعائلة غنية في هذه المنطقة، واضطر لوضع طموحاته السياسية جانيا للانضمام إلى سلاح البحرية الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية. وأصبح جورج بوش في سن الثامنة عشرة أصغر طيار حربي فيها. وقد نجا من سقوط طائرته التي أصابها اليابانيون في 1944 فوق المحيط الهادىء.
كم أشاد ميخائيل جورباتشوف، آخر زعماء الاتحاد السوفيتي، بدور الرئيس الأمريكي الراحل جورج بوش الأب في إنهاء الحرب الباردة وسباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وجاءت إشادة جورباتشوف (87 عاما) بعد وفاة جورج بوش الأب، الرئيس الحادي والأربعون للولايات المتحدة، عن 94 عاما.
وأجرى بوش الأب محادثات مع جورباتشوف قبل انهيار الاتحاد السوفيتي في 1991 ووقع معه اتفاقا تاريخيا للحد من التسلح مما أدى لخفض ملحوظ في الترسانة النووية للبلدين. ونقلت وكالة إنترفاكس الروسية للأنباء عن جورباتشوف قوله ”الكثير من ذكرياتي مرتبط به. قدر لنا أن نعمل معا في سنوات تغييرات كبرى. كانت أوقاتا مفعمة بالأحداث تتطلب مسؤولية ضخمة من الجميع. النتيجة كانت نهاية الحرب الباردة وسباق التسلح النووي“. وتابع قائلا ”أقدم التحية لمساهمة جورج بوش في ذلك الإنجاز التاريخي. كان شريكا حقيقيا“.
من جانب اخر نعت الكويت على المستويين الرسمي والشعبي الرئيس الاميركي الحادي والأربعين للولايات المتحدة جورج بوش الأب الذي توفي عن 94 عاما، مؤكّدة أنها «لن تنسى» مساندته لها في حرب الخليج إبان غزو القوات العراقية. ومنذ 1990، يعبّر الكويتيون بطرق مختلفة عن امتنانهم وتقديرهم للرئيس الاميركي الراحل، فبينهم من أطلق اسمه على أحد أطفاله، أو وضع صورته وهو يقف أمام العلم الاميركي في سيارته، أو حتى على جدار منزله.
واعتبرت فريدة الحبيب، طبيبة أمراض القلب التي تقول إنها شاركت أثناء الغزو في تهريب أدوية لجماعات المقاومة الكويتية، ان «بوش كان أيقونة»، مضيفة «لقد كان أكثر رجل تعاطف معنا وأكثر شخصية أسعدت الكويتيين». وأوضحت الطبيبة الكويتية «بكيت بعد إعلان وفاته». ووجّه أمیر الكويت الشیخ صباح الأحمد الجابر الصباح رسالة تعزیة إلى الرئیس الاميركي دونالد ترامب بوفاة الرئيس الحادي والأربعين للولايات المتحدة.
وأعرب أمير الكويت في الرسالة «باسمه وباسم دولة الكویت حكومة وشعبا عن خالص التعازي وصادق المواساة بوفاة» بوش. وأشاد في رسالته بـ»مواقفه التاریخیة المشرّفة والشجاعة تجاه دولة الكویت ورفضها للاحتلال العراقي لدولة الكویت منذ الساعات الأولى»، مضيفا ان هذه المواقف «ستظل ماثلة في ذاكرة الكویت جمیعا ولن تنسى». وقال أبو فهد الذي كان ضابطا في الجيش الكويتي أثناء فترة الغزو «نحن نشعر اليوم بحزن شديد لوفاة جورج بوش الاب. الكويت بنسائها ورجالها حزينة وندعو له بالرحمة». وأضاف الضابط المتقاعد الذي فضّل عدم استخدام اسمه «لقد وقف الى جانبنا رغم أنه لم يكن مسلما».
وفي العام 1993، زار جورح بوش الأب الكويت، وأقيمت مراسم استقبال رسمية وشعبية استثنائية للترحيب بـ»الضيف الكبير». وتخلّل الزيّارة جلسة ترحيب في مجلس الامة (البرلمان) ألقيت فيها قصيدة أشادت به وبوقوفه إلى جانب الكويت. وأطلقت الصحافة الكويتية على بوش الأب خلال الزيارة اسم «أبو عبدالله»، وبات يعرف بهذا الاسم بين الكويتيين. وبرز الاسم بعدما انتشر خبر عن قيام أحد الكويتيين بتسمية ابنه «بوش أبو عبدالله» حتى يكون اسما مسلما. بحسب فرانس برس.
وعلى تويتر، تردّدت منذ إعلان وفاة بوش الأب تغريدات مشيدة بالرئيس الراحل على حساب مستخدمين يقدمون أنفسهم على أنهم كويتيون. وكتبت منال «لن ننساك أبدا»، بينما نشرت سارا تسجيلا مصورا لبوش وهو يعلن في خطاب الانتصار في حرب الخليج قائلا «الكويت حرة» مرفقا بعبارة «فلترقد روحك بسلام». وأعلنت وزارة الاعلام الكويتية أنه سيتم إطفاء أنوار أبراج الكويت ووضع صورة بوش الأب مع العلمين الكويتي والأميركي «عرفاناً وتقديرا من الكويت». وإلى جانب الكويت، وجهت قطر والامارات وسلطنة عمان رسائل تعزية إلى ترامب وإلى بوش الابن.
في السياق ذاته يعتبر عدد من العراقيين ان المصير «التعيس» لبلادهم ارتبط بعائلة الرئيسين الاميركيين جورج بوش الاب والابن منذ 27 عاما مع غزو الكويت وما اعقبها من «حصار» ما زال يثقل كاهلها، انتهاء باجتياحها للقضاء على نظام صدام حسين. وفي آب/أغسطس 1990 وبعد غزو القوات العراقية للكويت، تولى جوج بوش الأب قيادة تحالف دولي لتحرير الكويت في شباط/فبراير 1991، بعد حرب خاطفة أطلق عليها اسم «عاصفة الصحراء» التي استمرت ست أسابيع. لم تنته تلك الحرب بتوقف العمليات العسكرية، بل تبعها حصار دولي مطبق زاد من قساوة الظروف التي كان يعانيها العراقيون ابان حكم صدام حسين.
ويقول الكاتب شامل عبد القادر (60 عاما) إن «صورة جورج بوش الأب تتمازج في الذهن العراقي، قبل العام 1990 وبعده». إن بوش الأب «كان يتمتع بثقة القيادة العراقية إلى حين القرار الطائش الذي اتخذه صدام حسين بغزو الكويت. وهنا انقلبت الصورة، وبدأ العراقيون ينظرون إليه على أنه مجرم ومعتدي». ويتابع «هذا الرجل هو أبو الحصار، اعتصر الشعب العراقي». وفي تلك الحرب التي تسمى بحرب الخليج الثانية، تضاعفت معاناة العراقيين الذين كانوا قد خرجوا للتو من حرب امتدت ثماني سنوات مع إيران (1980-1988).
وطوال 12 عاما، وإلى حين غزو القوات الأميركية للعراق في العام 2003 بقيادة جورج بوش الإبن، كان العراقيون، الذين عاشوا ازدهارا لسنوات في المنطقة، شاهدين على تدهور دراماتيكي لوضعهم المعيشي،مع بطاقات تموينية، ورواتب مزرية. وابان السبعينيات، شهد العراق تطوراً ونمواً كبيرين، إذ تضاعف الناتج المحلي الإجمالي ثلاث مرات، بل وأقدم على توظيف عرب وأجانب، بحسب ما يقول الخبير الاقتصادي العراقي أحمد صبيح. لكن سنوات الحرب اثرت كثيرا ببلاد الرافدين، و»تراجع دخل الفرد من 1500 دولار شهريا، إلى أقل من مئة دولار»، وفق صبيح. ولم يدفع الثمن إلا الشعب العراقي حسبما قال جمال العتابي (70 عاما).
ويقول هذا الكاتب والصحافي الذي اغرورقت عيناه بالدموع إن «قدر العراقيين التعيس، أن خراب هذا البلد وتدمير بناه التحتية ارتبط بعائلة بوش». ويضيف «هل يحتاج المجرم إلى توصيفات؟ لا نذكر منه إلا القتل والألم والحزن والتجويع وتدمير البنى التحتية. كان العراقيون أيام الحصار يأكلون التراب بسببه». ويوافقه محمد الشيخ (52 عاما) الرأي، وهو الذي شارك كجندي في حرب الخليج الثانية. ويشير الشيخ وهو رياضي سابق إلى أن «هذا الرجل أذى العراقيين في التسعينيات. حصار جائر. كنا نأكل حنطة الحمير في الحصار. قصف المدارس والمستشفيات. حتى محطات الكهرباء ضربها، لم يبق لنا شيئا».